«ولكن من الذي سوف يعتني بالأطفال»؟ هذه الجملة منسوبة إلى رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق الاشتراكي لوران فابيوس. كان ذلك يوم 22 سبتمبر 2005 عندما قرأ في مجلة «باري ماتش» الأسبوعية ما قالته السيدة سيغولين روايال وجاء فيه أنها «قد» تطلب من الحزب الاشتراكي اختيارها كمرشحة باسمه لخوض الانتخابات الرئاسية.

لم تكن السيدة سيغولين روايال يومها سوى أحد الوجوه «الصاعدة» في الحزب الاشتراكي بالمقارنة مع القادة التاريخيين المخضرمين في السياسة والذين تعوّدت الصحافة أن تطلق عليهم تسمية «الفيلة». صحيح أن السيدة روايال قد تبوأت بعض المناصب العليا، بما فيها منصب وزاري في حكومة ليونيل جوسبان، لكنها لم تكن آنذاك في عداد «الكبار».

عندما أعلنت السيدة سيغولين روايال عن «طموحاتها» في القيادة برزت مباشرة النزعة «الرجّالية» لدى العديد من قادة الحزب الاشتراكي نفسه. وترددت لدى بعضهم عبارات من نوع: «الانتخابات الرئاسية ليست مسابقة للجمال» و«مسابقة الأناقة، ليس هذا ما ينتظره الفرنسيون».

خصوم السيدة روايال من معسكر اليمين لم يفرشوا دربها بالورود طبعا وأشاعوا عنها أنها لا تحسن صياغة جملة «مفيدة» واحدة ووصفتها الناطقة باسم حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، حزب ساركوزي، بأنها «الصورة بلا الصوت»، وأنها قد تكون «أمًّا جيدة» لكنها لا تصلح لقيادة بلاد. لكن رغم العقبات الكثيرة التي وضعها «رفاق الدرب» من أصحاب «الأوزان الثقيلة» في الحزب الاشتراكي وصولا إلى اتهامها صراحة، أو بواسطة الأصدقاء من الصحافيين، بعدم الكفاءة استطاعت السيدة سيغولين روايال أن تفوز بترشيح الحزب الاشتراكي لها على حساب مرشحين آخرين من القيادات التاريخية للحزب هما لوران فابيوس، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، ودومينيك ستروس كاهن، أحد أهم وزراء الاقتصاد الفرنسيين خلال العقود الأخيرة.

لقد رشّحها الحزب الاشتراكي واختارها الفرنسيون يوم 22 أبريل 2007، أي قبل أيام، في الدورة الانتخابية الأولى، كي تخوض الدورة الانتخابية الثانية يوم 6 مايو القادم في مواجهة مرشح اليمين نيكولا ساركوزي.

لا شك أن وصول السيدة سيغولين روايال إلى هذه المسافة القريبة من قمة السلطة، هذا إذا لم يكن «احتلالها» الصعب يشكل منعطفا كبيرا في الحياة السياسية الفرنسية، بل يشكل «ثورة» حقيقية في التاريخ الفرنسي الحديث منذ الثورة الكبرى عام 1789، بل وقبل ذلك. فمنذ نهاية القرون الوسطى برزت شريحة من كبار الموظفين الرجال «المتعلمين» الذين حاولوا إغلاق الباب أمام أية منافسة لهم. هكذا جرى إقصاء النساء ومنعهن من دخول الجامعات حتى نهاية القرن التاسع عشر تقريبا. هذه مسيرة تاريخية تستحق الدراسة والتحليل في سياق آخر.

إقصاء المرأة عن السياسة جرى تسويغه بمقولات عديدة ليس أقلها شأنا القول إنها تمثل «الجنس الضعيف» وأنه «للنساء سلطتهن أصلا، في عالم المنزل» و«النساء لا يحسنّ الصيد والحرب» و«النساء ضعيفات جسديا»®®. ثم والأسوأ «النساء لا يمتلكن قدرة التفكير مثل الرجال». الحجج متنوعة ومختلفة وإنما الجوهر واحد، والترجمة واحدة أيضا وهي أن المرأة لا تزال تحتل مواقع متراجعة على الصعيد السياسي والاقتصادي.

تقول الأرقام إن 3 بالمائة من الشركات الفرنسية الكبرى فقط على رأسها امرأة ـ مع الإشارة أن نقابة أرباب العمل الفرنسيين تترأسها اليوم امرأة تدعم ساركوزي بقوة في الانتخابات الرئاسيةـ وذلك مقابل 40 بالمائة من النساء في مجالس إدارات الشركات النظيرة في السويد، وباسم القانون السويدي الساري المفعول.

للتذكير كانت المرأة في فرنسا قد حصلت على حق الاقتراع عام 1945، وأصبحت وزيرة للمرّة الأولى عام 1947، وأول رئيسة للوزراء عام 1992. والسيدة سيغولين روايال، هي أول امرأة تتطلع إلى المنصب الرئاسي الأعلى. صحيح عرفت الانتخابات الرئاسية السابقة في العقود الأخيرة ترشيح العديد من النساء لخوض الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

ولكن كنّ دائما مرشحات عن أحزاب سياسية يسارية صغيرة فالسيدة ارليت لاغييه كانت هذه السنة مرشحة للمرّة السادسة. السيدة روايال هي الأولى في فرنسا التي تصل إلى الترشيح للانتخابات الرئاسية عن حزب مارس حكم البلاد من معسكري اليمين واليسار على حد سواء. وهي بالطبع أول سيدة تتجاوز «سقف» الدورة الانتخابية الأولى «مع إمكانية» الفوز بالثانية.

للتذكير أيضا، كان البرلمان الفرنسي ، بطلب من رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق ليونيل جوسبان عام 2001،قد أقرّ قانون التكافؤ في التمثيل السياسي للأحزاب بين الرجال والنساء عدديا. وفرض القانون على الأحزاب المخالفة دفع غرامات. لكن الاحتفاظ بسلطة القرار بيد الرجال أهم من هذا المبلغ المالي أو ذاك.

هكذا بلغت قيمة الغرامات المترتبة على الحزب الاشتراكي نفسه في عام 2004 وحده بسبب مخالفته لقانون التكافؤ في التمثيل بين النساء والرجال مبلغ 000 651 1 يورو مقابل 000 264 4 يورو على حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، حزب ساركوزي، و139 124 يورو على الحزب الشيوعي. للإشارة البلد الأوروبي الوحيد الذي يطبق مبدأ المساواة في عدد الحقائب الوزارية بين الرجال والنساء وهي حكومة ثاباتيرو باسبانيا بينما لا يزال تمثيل النساء متواضعا في جميع الحكومات الفرنسية المتعاقبة وفي البرلمان أيضا. وللإشارة أيضا هناك 7 نساء فقط من بين البلدان ال195 الأعضاء في الأمم المتحدة يترأسن بلادهن مقابل 5 نساء فقط كرئيسات للحكومات.

الحديث كثير عن المساواة بين المرأة والرجل. لكن الفرق كبير بين ما يقال وما يعاش. هذا صحيح في فرنسا وفي جميع الديمقراطيات الغربية، و«أكثر» من صحيح في البلدان الأخرى، بما في ذلك، بل خاصة وأساسا، في عالمنا العربي ـ الإسلامي.

يقال إن «عالم المرأة هو آخر مستعمرات الرجل»، وكل استعمار يتضمن مفهوم الفوقية. هكذا لا تزال السياسة من «اختصاص» الرجال والعمل المنزلي من «اختصاص» النساء». لكن كل استعمار مآله الزوال. ووصول السيدة سيغولين روايال إلى الدور النهائي في المنافسة الرئاسية، وربما إمكانية الفوز فيها، يمثل خطوة في قلب المعادلة وتغيير قواعد اللعبة الاجتماعية. فإذا كانت المرأة قادرة على أن تصبح رئيسة، فهذا يتضمن أيضا ضرورة إعادة النظر بمهمات تربية الأطفال ومسح زجاج المنزل. فلكل منظومة آلياتها في «تقسيم العمل» وتوزيع الوظائف بين «رجاليّة» و«نسوانية».

السلطة واحدة، مارسها رجل أو امرأة. المهم ما يفعل بها أصحابها، رجالا كانوا أم نساء. وإذا كانت الثقافة السائدة اليوم تؤكد في معرض تأكيد دور المرأة على أنها «نصف المجتمع» فهل يتم مستقبلا التأكيد على دور الرجل على أنه «نصف مجتمع»؟ ربما في الأفق غير المنظور.

عندما سئل فرانسوا هولاند، الأمين الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي وشريك حياة السيدة روايال، عمّا ستكون عليه مكانته الاجتماعية في حالة فوز «سيغولين» بالانتخابات الرئاسية، أجاب: «سأكون الرجل الأول في فرنسا».

كاتب سوري ـ باريس