في كل أنواع الغزوات التاريخية كان أول أهداف الغازي المحتل هو تحطيم أسوار الدفاع للمدينة المحاصرة. إلا أن الولايات المتحدة قلبت الفكرة فبدأت ببناء أسوار لعزل المدن البغدادية المحاصرة. حيث أقامت القوات الأميركية سورا يحيط بمدينة الاعظمية.
وهي عازمة على تسوير خمس مناطق أخرى في بغداد وغالبا ستكون تلك المناطق في غرب بغداد كالعامرية والغزالية والخضراء وحي العدل هذه المناطق المعروفة بأنها مناطق خطرة سواء للقوات الاميركية أو للجيش العراقي. سور بغداد العظيم هو جزء من التكتيكات غير المنتهية لانقاذ تهاوي الخطة الامنية الاميركية وإطالة عمرها المر. وطبعا لكي يرتاح بال بعض التيارات السياسية التي تتهم الجيش الاميركي بانه متشدد مع مناطق على حساب أخرى.
هذه الاسوار في الواقع ليست فكرة جديدة فقد سبق أن نفذتها الحكومة البريطانية في ايرلندا الشمالية كمحاولة لعزل المتمردين وتسهيل غلق المناطق المتوترة. ومن جِهَةٍ ثانية شَبَّه «هاينر بيليفلد» ـ رئيسُ معهدِ حقوقِ الإنسان الألماني ـ بناءَ جِدار الأعظمية بجِدارِ برلين، الذي كان يفصلُ شرق العاصمة الألمانية عن غربِها، مؤكداً أن على المجتمع الدولي إذا ما أراد إحلالَ السلام في العراق دعمَ الجهود التي تُبذَل لانسحاب القوات الأميركية من العراق. وفي الواقع هي عبارة عن سجن كبير يتم تطبيقه لعقاب المناطق التي تشهد توترا كبيرا.
إلا إننا اذا ما قربنا المجهر على المناطق المسورة مثل منطقة الاعظمية التي تعد واحدة من اعرق واكبر مناطق مدينة بغداد تقطنها الاغلبية السنية من اتباع الامام ابو حنيفة النعمان أو الامام الاعظم الذي استمدت منه تسمية المدينة وعلى عكس اغلب المناطق ذات الاغلبية السنية فان منطقة الاعظمية تقع في قلب جانب الرصافة وتمتد من على الجانب الشمالي الشرقي من مدينة بغداد وهي تتوسط اهم منطقتين في بغداد من الغرب مدينة الكاظمية على الضفة الاخرى من نهر دجلة ومن الشرق مدينة الصدر.
لذا كان على الجيش الاميركي خياران إما تسوير مدينة الصدر وهو ما حاولت القوات الاميركية فعله قبل بضعة أشهر إلا أنها لاقت معارضة شديدة وضغوطا من قبل الحكومة العراقية الذي يعد الصدريون من أهم قوى الضغط فيها لذلك سرعان ما تم ازالة الحواجز الكونكريتية من المنطقة. أما الخيار الثاني فهو تسوير مدينة الاعظمية وهو ما تم فعلا وقد وافقت الحكومة على هذا الاجراء الذي كانت تشتهيه وتستحي تطبيقه.
وهو ما ينطبق كذلك على المناطق الاخرى التي وعدت الحكومة العراقية والقوات الاميركية بتسويرها فعلا كالعامرية والغزالية والحي الخضراء وهي مناطق تقع غرب بغداد وهي مناطق قريبة من الخطوط اللوجستية للقوات الاميركية.
وهنا نتساءل ما هي الجدوى من هذا السور هل هو فعلا لمنع دخول المسلحين كما ألمحت بذلك القوات الاميركية.
حيث صرح متحدث باسم الجيش الاميركي إن الهدف هو حماية مناطق سكنية بعينها من المسلحين في إطار الحملة الامنية في بغداد والتي ينظر لها على أنها المحاولة الاخيرة لمنع انحدار العراق الى حرب أهلية شاملة. على أساس أن القوات الاميركية حريصة كل الحرص على وحدة العراقيين التي أصبحت أهم هموم إدارة بوش بعد خراب بغداد. ام هو لمنع الاشتباكات الطائفية بين مناطق اهالي المناطق السنية والشيعية. ام لتامين دوريات الجيش الاميركي. أم لتسهيل غلق المنطقة في أوقات التوتر... الخ.
في الواقع أن هذا السور لن يكون فعالا في أي من هذه المهام. فالمسلحون لن تحدهم جدران بارتفاع أربعة أمتار من مهاجمة المنطقة. أما المناوشات الطائفية فهي أيضاً لا يمكن أن تحدها الاسوار خاصة وان معظم تلك المناوشات تتم عن طريق تبادل قذائف الهاون والتي لن تستطيع الجدران إعاقتها أيضا. أما دوريات الجيش الامريكي فان لا جدران تعيق المقاومة العراقية اذا ما ارادت تدميرها الا اذا ما ارادت القوات الاميركية الاحتماء خلف تلك الاسوار في حالة تلقيها الهجمات.
عموما فان هذه الجدران سوف تقوم بدور واحد وهو تعزيز فكرة الانقسام الطائفي وهو الدليل الحي على أن الخطة الامنية التي تقوم بها القوات الاميركية والحكومة العراقية قد فشلت تكتيكاتها في تهدئة التوتر الامني المتفاقم وبالتالي بدأت باللجوء إلى تكتيكات إطالة البقاء إلى ابعد أمد ممكن سواء من خلال التحصن وراء الاسوار أو من خلال أسلوب الاحتلال البريطاني (فرق تسد).
إفلاس الخطة الامنية الاميركية التي تدعمها حكومة المالكي وصل إلى حد إغلاق مناطق السكان في بغداد وكأن أزمات العراقيين لا تكفي لتأتي خطط التسوير كي تحطم معنويات المواطن العراقي الذي أصبح اليوم يعيش في كل الدوامات التي تستهدف عراقيته وإيمانه ووجوده سواء التهجير أو القتل الطائفي أو الانفجارات أو انعدام الخدمات التي تحفظ للانسان العراقي انسانيته أو ما تبقى منها.
هذا بالاضافة الى ان اغلب الاطراف السياسية العراقية أعلنت عدم ارتياحها وموافقتها على هذا الجدار حيث انتقد السياسيون العراقيون بشدة بناء جدار امني حول منطقة الاعظمية في شمال بغداد للحد من أعمال العنف بحيث اعتبره بعضهم دليلا على فشل السياسة الامنية في حين تساءل آخرون عن مدى فاعليته بينما اكتفت الأطراف الاخرى بالصمت وكأن النار لن تطالهم والجدار لن يلتف يوما ما على رقابهم.
سور الاعظمية أو أي سور آخر بني أو سيتم بناؤه في بغداد لن يكون الا جزءا من محاولة القوات الاميركية إطالة عمر الخطة الامنية المتهاوية المتداعية. كما انه ليس شيئا أمام سور العراق الذي يتعالى يوما بعد يوم ليفصل العراقيين عن بلدهم وعن جذورهم. عموما كل الغزاة تركوا خلفهم جدران دلت يوما ما على أنهم كانوا هنا وكان هناك مقاومة تقاتلهم وان هناك شعبا رفض وجودهم.
غزاتنا أيضاً سوف يرحلون يوما ما وسوف ترحل معهم جدرانهم وعليه ليس علينا القلق من هذه الجدران بقدر القلق من ان يكون قد نما في القلوب جدران التفرقة الطائفية التي سوف تفرح الغزاة وتجعلنا جميعا أداة تحكم نتوجه وننقاد حسب أهواء الغزاة الطامعين والجوار الطامحين.
كاتبة عراقية