عرفت المجتمعات العربية الديمقراطية بصيغتها ومبادئها الراهنة على يد الغرب في المرحلة الاستعمارية عندما كانت بريطانيا وفرنسا تحتلان معظم الدول العربية بدءاً من القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين الماضي.
لقد أدخلت الإدارات الاستعمارية البرلمانات في دول عربية عديدة مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر والسودان، وتشكلت الأحزاب السياسية وانتظمت الانتخابات. وإذا استثنينا حقائق أخرى حول النفوذ والتدخلات من المندوبين السامين أو بلاط الحكام المحليين، اختبرت شعوب هذه الدول نوعاً من تداول السلطة عندما كانت صناديق الاقتراع تقرر الحزب الذي سيقوم بتشكيل الحكومة.
لكن الغرب نفسه والدول المستعمرة التي أدخلت الديمقراطية والحداثة هي نفسها التي تتحمل مسؤولية تاريخية في نشوء علاقة مرضية بين الديمقراطية والأمن القومي. فتلك الصورة الجميلة لمواطنين يذهبون إلى صناديق الاقتراع بشكل منتظم لتقرير من سيحكمهم ونوع الحكومات التي يريدون، كانت واجهة لصورة أخرى قاتمة إلى أبعد الحدود. ولم تعمل هذه الصورة الثانية الخفية سوى أن جعلت تلك الديمقراطية ديكوراً ضرورياً لخدمة هدف أكبر:
بقاء المستعمر نفسه واستمرار الاحتلال. وهذا يعني أساساً استمرار نهب الثروات الطبيعية لصالح المستعمر أو استمرار الحفاظ على المصالح الاستراتيجية أو الجيوسياسية. وسواء تعلق الأمر بالنفط والموقع الاستراتيجي (تأمين الطريق إلى الهند) كما في العراق، أو المصالح الجيوسياسية والثروات الأخرى كما في مصر (قناة السويس والقطن)، فإن الحياة السياسية في تلك البلدان والديمقراطية التي كانت تعيشها كانت مصممة فقط لهدف استراتيجي واحد هو استمرار بقاء المستعمر.
هذا يفسره النفوذ المتنامي للمندوبين السامين الذين كانوا حكاماً حقيقيين في بعض الأحيان ويفسر أيضاً حالات الصدام حتى مع الحكام المحليين. وجود المستعمر وتحكمه جعلا الديمقراطية نفسها مرتبطة به، وطالما أن وجود المستعمر محكوم بمصالحه ومصالحه فقط دون أي اعتبار آخر، لم يفعل عناد المستعمر وإصراره على البقاء وتطويع الديمقراطية لصالح استمرار بقائه إلا الإضرار بالديمقراطية نفسها فكانت النتيجة هي شيوع النزعات الشمولية والدكتاتورية في المجتمعات العربية والتي أثمرت أنظمة عسكرية انتفضت ضد المحتل بدافع وطني لكنها لفظت أثمن ما في الحداثة التي جاءت بها: الديمقراطية.
لقد اختزل الوضع نفسه في خيارات ليست سوية: إما المصالح الوطنية (طرد المستعمر) أو بناء الديمقراطية (النمو المتدرج وتأجيل الهم الوطني).تلك المعضلة أثمرت أكثر من نصف قرن من الاستبداد والديمقراطية الصورية والانتخابات المحسومة نتيجتها قبل أن تبدأ والرؤساء مدى الحياة والفوز الساحق بنسبة 9,99% من الأصوات. ولم تفعل مداخيل النفط العالية سوى أن جعلت الديمقراطية نفسها والمحاسبة والشفافية والمصارحات والرقابة على السلطات سوى ترف غير ضروري لا يحتاجه سوى الفقراء. لعل هذا يفسر بنظر كثير من معاندي الديمقراطية كيف أصبحت الهند تسمى اكبر الديمقراطيات في العالم.
هذه يمكن تسجيلها على أنها المحطة التاريخية الأولى للديمقراطية في البلدان العربية، أما المحطة الثانية فهي دون شك ما بعد 11 سبتمبر 2001.في تلك الحقبة الأولى، كانت الإدارات الاستعمارية ترد على المطالب الوطنية بمقولة رائجة: مازالت شعوب تلك البلدان غير قادرة على حكم نفسها، لم تنضج بعد لتحمل مسؤولية إدارة بلدها، ديمقراطيتها لم تنضج بعد، هل تغير الأمر الآن في ثورة الغرب الثانية للديمقراطية التي أراد تعميمها علينا ودفع حكوماتنا ونخبنا الحاكمة للسير في طريقها وتعميمها؟.
من بين جملة الأكاذيب التي تم ترويجها لتبرير الحرب على العراق، فإن أحد أهم الوعود الخلابة التي رددها المسؤولون الأميركيون هو تحويل العراق إلى نموذج يحتذى به في الديمقراطية في المنطقة. لكن بعد أكثر من أربع سنوات على احتلال العراق وإسقاط نظامه تبدو المحصلة مريعة ومخيفة إلى حد بعيد. تحققت كل الكوابيس وأسوأ السيناريوهات ولم تتحقق الديمقراطية، بل لا احد يتذكرها الآن من المسؤولين الأميركيين أو العراقيين أنفسهم أو المتحمسين للتدخل الأميركي لإسقاط النظام العراقي.
لقد انهار جبل الأكاذيب بشكل مريع، وأفضل ما يمكن البدء منه هو تكلفة الحرب. حسب غوردن آدمز المسؤول الأعلى لميزانية الأمن القومي في البيت الأبيض بين عامي 1993-1997، فإن تكلفة الحرب في العراق التي كان البيت الأبيض قد قدرها بنحو 50 مليار دولار تقارب اليوم 10 أضعاف هذا الرقم. اخرجوا حاسباتكم.. عشرة أضعاف تعني «500 مليار دولار».
يضيف آدمز: «الأكثر من ذلك هو أن ميزانية البنتاغون توشك أن تصبح عصية على التدقيق وذلك بسبب ارتفاع الاعتمادات الطارئة، ومع فاتورة رعاية قدامى المحاربين وإصلاح المعدات وكون جيش أميركي قائم بشكل اكبر غير وارد بعد، فإن وضع حد للدفاع من اجل العراق لا يبدو منظوراً». (فورن بوليسي، مارس- ابريل 2007).
ما سر هذا السخاء في الإنفاق على الحرب في العراق طالما أن العلاقات المفترضة بين النظام السابق وتنظيم القاعدة لم تثبت ولم يثبت أيضاً أن ذلك النظام كان يمتلك أسلحة دمار شامل؟. أي الأكذوبتين الرئيسيتين في سلسلة الأكاذيب التي تم الترويج لها لشن الحرب على العراق.
ما هي النتيجة لهذا الإنفاق السخي؟ يمكنكم الاعتماد على «فورن بوليسي» دوماً التي استطلعت رأي خبراء سألتهم سؤالاً واحداً: «من يكسب في العراق؟». قائمة الرابحين من حرب العراق حسب هؤلاء الخبراء هي: إيران التي حصلت على منافع استراتيجية غير متوقعة، مقتدى الصدر الذي أصبح الأكثر نفوذاً في العراق، تنظيم القاعدة الذي كانت شبكته تحتضر بعد 11 سبتمبر فأعاد غزو العراق إحياءها من جديد، صامويل هانتيغتون الذي يبدو محقاً أكثر من أي وقت مضى في نظريته حول حرب الحضارات، الصين التي أتاحت لها حرب العراق فرصة للنمو.
الدكتاتوريون العرب الذين كانوا يخضعون لضغوط من اجل القيام بإصلاحات فأصبحوا الآن مطمئني البال. سعر النفط، الأمم المتحدة التي استعادت نشاطها. أوروبا القديمة التي بدأ زعماؤها المشككون في جدوى الحرب أكثر حكمة ووقفوا يشمتون الآن وأخيراً إسرائيل التي خلصتها الحرب من ألد أعدائها. (المصدر السابق).
الديمقراطية ليست ضمن قائمة من كسبوا الحرب في العراق، بل أبعد من هذا لا تبدو فائزة في المدى المنظور، ففي استطلاع آخر لنفس المجلة لحوالي 112,1 عالماً يمثلون 41% من كافة أساتذة العلاقات الدولية في الولايات المتحدة، اعتبر 57% منهم أن «من غير المحتمل» أن يحظى العراق بديمقراطية مستقرة في غضون 10 إلى 15 عاماً. (المصدر السابق).
الديمقراطية خسرت من جديد في محطتها التاريخية الثانية لأنها لم تكن سوى أكذوبة من الأكاذيب، أما الرابح فهي شركات النفط الأميركية التي استولت على مخزونات النفط العراقي والنصيب الأكبر من عائداته في المستقبل المنظور والبعيد وبوسيلة ديمقراطية أيضاً عبر البرلمان والحكومة العراقية المنتخبة.
كاتب وصحافي بحريني