الكونغرس الأميركي هو نبض رجل الشارع في الولايات المتحدة، وما يمليه من قرارات أو تشريعات، هو تعبير عن اتجاهات الرأي العام الأميركي. ولأن الحرب على العراق باتت منبوذة لدى غالبية الشعب الأميركي، فقد وافق الكونغرس ليلة أول أمس على تشريع يربط سحب القوات المقاتلة من العراق بتمويل الحرب. وانضم مجلس الشيوخ بأغلبية 51 مقابل 46 إلى مجلس النواب في دعم مشروع القانون الذي يتضمن تخصيص حوالي 100 مليار دولار لتمويل الحربين في العراق وأفغانستان هذا العام، والذي يحدد أيضاً موعداً لسحب القوات الأميركية خلال الشهور الأحد عشر المقبلة.
التشريع الجديد الذي يمثل أول تحد يواجه الرئيس جورج بوش من جانب الكونغرس الذي صار في قبضة الديمقراطيين منذ يناير الماضي، يعكس بالفعل اتجاهات الرأي العام الأميركي. فأحدث الاستطلاعات الأميركية تشير الآن إلى أن ثلثي الأميركيين غير مقتنعين بخوض الحرب على العراق.
وها هم أبرز ساسة أميركا يؤكدون هذه الحقيقة. رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي قالت مثلاً ان تلك الحرب أضعفت قدرة واشنطن على محاربة الإرهاب، وان هذه الحرب تشكل أكبر تحد أخلاقي يواجه الشعب الأميركي. وتساءلت «كيف ننظر إلى أخلاقية إرسال جنودنا إلى التهلكة في معركة دون ان نمنحهم التدريب الضروري والمعدات الضرورية وخطة تؤهلهم لتنفيذ مهمتهم بنجاح»؟
في الوقت نفسه، وجه مرشحون للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة انتقادات لسياسة إدارة الرئيس بوش في العراق. وقالت عضوة مجلس الشيوخ هيلاري كلينتون ان الكونغرس صوت لوضع حد للحرب، وهذا ما يريده بالتحديد الشعب الأميركي. وأضافت «في حال لم يخرجنا هذا الرئيس من العراق فسأفعل ذلك عندما أصبح رئيسة»، ثم قالت «لو كنت أعرف ما أعرفه الآن لما كنت صوت بهذه الطريقة».
في إشارة إلى تصويتها نهاية العام 2002 دعماً لشن الحرب على العراق. الأكثر من ذلك، أن المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي.اي.ايه» جورج تينيت اتهم إدارة الرئيس بوش بالقضاء على سمعته وإساءة استغلال تصريح أدلى به خلال اجتماع في البيت الأبيض قبل غزو العراق لتبرير الحرب.
وقال تينيت ان الإدارة الأميركية سربت تصريحه بعد ان تصاعدت المعارضة لحرب العراق حين لم تعثر القوات الأميركية على أسلحة دمار شامل. وكشف تينيت انه استخدم في هذا اللقاء تعبيراً شائعاً في لعبة كرة السلة لوصف الضربة المضمونة النجاح والنتائج.
وقال انه استعان بهذا التعبير لا من أجل الإشارة إلى تأكده من العثور على أسلحة دمار شامل عراقية، بل كان يتحدث عن المعلومات التي يمكن ان تستخدم لإقناع الرأي العام الأميركي بقضية شن حرب على العراق. وظهر تعبير الهدف المضمون لأول مرة في كتاب الصحافي بوب وودوورد «خطة الهجوم» الذي أظهر تينيت انه أكد لبوش حتمية العثور على أسلحة دمار شامل في العراق.
الأصوات داخل الولايات المتحدة تعلو للمطالبة بالخروج المشرف والتدريجي من المأزق العراقي. ومع ذلك، تواصل الإدارة الأميركية عنادها بلا مبرر. فالرئيس بوش مازال يرفض الانسحاب بشتى أشكاله، وكثيراً ما ردد انه لن يقبل بتحديد تواريخ استسلام. ولذلك، قالت الناطقة باسم البيت الأبيض دانا بيرينو ان الرئيس بوش سيرفض تشريع الكونغرس الصادر أول أمس، وأنه مصمم على الفوز في العراق. وهو يسعى الآن إلى استخدام حق النقض ـ الفيتو ـ ضد تشريع الكونغرس.
ان العراق الجريح يعيش على مسلسل من المآسي اليومية، لم يفلح الاحتلال الأميركي في القضاء عليها. تفجيرات يسقط بسببها الأبرياء كل يوم. حوادث خطف. تناحر واحتقان طائفي يثير مخاوف كل من يتعلق قلبه بأرض الرافدين سواء داخل حدود العراق أو خارجها.
المطلوب، البحث عن مخرج لإنقاذ وطن ينزف. وأياً كان المخرج، فلا يعني أنه سيتم تقييمه بحسابات المكسب والخسارة أو الانتصار والهزيمة. المهم إعادة الأمن والاستقرار للعراق.