الحمد لله.. فما زالت ضمائر اللبنانيين يقظة، وما زال وعيهم غالباً على عصبياتهم وتحزباتهم، وما زالوا حريصين على حياة بعضهم البعض وبالتالي على السلامة العامة، وما زالت عواطفهم الأخوية سليمة؛ يحزن الكل لمصاب أسرة مفجوعة ويقفون إلى جانبها متضامنين في وجه مرتكبي الجريمة

.

الحمد لله.. فهذا الشعب الصابر ما زال متمسكاً بوحدته، يمنع أهل التطرف والتعصب وتجار الجنازات من أن يأخذوه بوجعه إلى حيث لا يريد ولا يقبل من النزعات الثأرية التي تبدأ فردية ثم يحولها المناخ المسموم إلى اقتتال لا طائل تحته غير تحويل المصاب الشخصي إلى كارثة وطنية.

الحمد لله... أن أهل القرار من رجال السياسة قد انتبهوا إلى خطورة الاوضاع التي أوصلوا إليها البلاد، إذ جعلوها على فوهة بركان الفتنة التي لا تبقي ولا تذر... فتوقفوا عن اللعب بنار الغرائز والأحقاد النائمة، ولو إلى حين.

الحمد لله... أن «الدول» قد خففت من ضغوطها لجر لبنان إلى حيث ينتظره الدمار، فتمكن «الأهالي» من التصرف بما تمليه عليهم ضمائرهم وخشيتهم على سلمهم الأهلي وعلى دولتهم، ولو ضعيفة، فإذا بهم يحفظونها برغم شكواهم من أنها لا تحفظهم دائماً بعدالتها وحزمها.

لقد كانت التجربة مريرة، ولكنها نبهت الجميع إلى ان أي خطأ إضافي يأخذ البلاد إلى كارثة لا قيامة بعدها. ذلك ان حجم الأخطاء السياسية التي ارتكبت على امتداد السنة الماضية كان مهولاً، حتى لقد أنكر الأهل الأهل، وتنكر الأخ لأخيه، واستراب رفيق العمر برفيق عمره، وصار اللبنانيون ينامون في قلب القلق والخوف، ويدفعون أبناءهم ـ أمل الحاضر والمستقبل ـ إلى الهجرة حرصاً على السلامة... إذ تواضعت أحلامهم حتى صارت تتلخص باستنقاذ الذات، ولو خسر الوطن من سيبني غده الأفضل.

كانت الجريمة التي ذهب ضحيتها شاب وفتى في مقتبل العمر جرس إنذار نبّه الناس جميعاً إلى خطورة المناخ السائد نتيجة التعبئة والتعبئة المضادة التي بدأت سياسية ثم انحدرت إلى استثارة العصبيات الطائفية والمذهبية، لتثبيت الوضع المغلوط القائم في البلاد بوصفه استثماراً سياسياً مجزياً.

وما يتمناه الناس أن يكون هذان الشهيدان فدية تقدم على مذبح الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.وبالتأكيد فإن اسمي «الزيادين» سيكونان منارة تهدي الذين انحرفوا أو تاهوا أو جرفهم الغلط في الحسابات السياسية إلى اللعب بنار الفتنة فاستخدموها لأغراض «شعبية» أو «حزبوية» ضيقة، بغض النظر عن كلفتها على البلاد وأهلها.

إن اللبنانيين جميعاً في حزن عميق على زياد غندور وزياد قبلان. لقد اعتبرتهما كل عائلة وكأنهما من أبنائها... وعاش الجميع مع ذويهما على أمل ان تنتهي المسألة على خير، حتى فجعهم خبر الجريمة المزدوجة التي قضت على الشهيدين.

إن اللبنانيين شركاء لذوي الفقيدين في المصاب... وهم إذ يتقدمون من الأسرتين بالعزاء، يتمنون ان تكون شهادتهما إنذاراً بالدم ينبه القيادات جميعاً إلى أن عليهم ان يتوقفوا عن اللعب بمصير الوطن وأهله.

والعزاء في الزيادين للبنان كله، انطلاقاً من ذويهما الذين نسأل الله أن يجدوا في التضامن الوطني الشامل معهم ما يخفف من وقع المصاب عليهم.

والحمد لله من قبل ومن بعد، وليقبل الله هذين القربانين الجديدين فداء لسلامة لبنان واللبنانيين.