عندما تحدث رئيس الوزراء اسماعيل هنية عن الخطة الامنية التي اعدتها حكومته فقد كان لهذا الحديث تأثيره الايجابي عند المواطنين لانه لمس الوتر والهاجس الذي يشغل تفكيرهم واهتماماتهم وهو الفلتان الامني الذي انتشر خصوصا في قطاع غزة فلم يعد الفلسطيني آمنا على روحه وممتلكاته وطالت الاعتداءات الاثمة الاماكن العامة والمتاجر والمكتبات فيما اعتبره المواطنون حجرا على الحريات العامة والشخصية وتطاولا على سلطة الدولة واجتراء على هيبة القانون والنظام العام وبالتالي فقد كانت الحاجة اكثر من ماسة لاجراء رادع يعيد للقانون سطوته وللنظام احترامه.

وبعد اقرار الخطة الامنية توقع الناس ان تنفذ بالسرعة القصوى الا ان مرور الايام اثبت ان وضع الخطة اسهل بكثير من تنفيذها: فجرائم القتل والاختطاف وحرق المنشآت والممتلكات زادت ولم تنقص والضحايا حتى من الاطفال الابرياء تضاعف عددهم واجواء الخوف والحرب تكثفت وتساءل الجميع: اين الخطة الموعودة ولماذا عجزت قوى الامن عن وضعها موضع التنفيذ؟

ومن المؤكد ان هناك عشرات الالاف من رجال الامن لا ينقصهم التدريب ولا التجهيز قادرون عن فرض القانون والنظام في قطاع غزة والسؤال الذي يجد المراقبين وابناء الشعب الفلسطيني عامة هو: كيف يتمكن عدد من المسلحين من تنفيذ جرائهم عيانا وفي وضح النهار دون ان تتمكن السلطات الامنية الفلسطينية حتى من معرفة هوياتهم؟ لانه قد يوحي بأن الميليشيات التي تخترق القانون ربما تمتلك تجهيزات وعددا من المسلحين وان الانقسام الفصائلي وغياب القيادة الموحدة لقوى الامن يجعل من الصعب على هذه القوى تنفيذ الخطة الامنية على الرغم من انها اصبحت ضرورة ملحة ومطلبا جماهيريا في هذه الظروف الامنية الحرجة.

ولا غرابة في الحالة هذه ان يجد وزير الداخلية نفسه مضطرا للاستقالة بسبب تعددية مرجعيات القوى الامنية المختلفة. مع ان هذه الاستقالة قد رفضت فان رفضها لا يعني ان الخطة الامنية ستجد طريقها الى التنفيذ في المستقبل القريب اذ ان هناك جهات مستفيدة من التسيب والفلتان الامني وهي لا تريد للقانون والنظام ان يعودا الى القطاع وكأننا اصبحنا نعيش في الصومال او العراق حيث التكسب من حمل السلاح هو مهنة رابحة تعود بالمردود المالي والوجاهة على اصحابها الذين يكافحون ويستميتون في سبيل المحافظة على مصالحهم وامتيازاتهم.

وليس من سبيل لانهاء الفلتان الامني واعادة النظام وسيادة القانون سوى وضع حد للانقسام الفصائلي والايديولوجي وتعميق الانتماء المشترك للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني الواحدة. وحين يتم ادماج الميليشيات والمسلحين على اختلاف فصائلهم وعشائرهم وعائلاتهم في قوة امنية واحدة ملتزمة بالمصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني فان امكانية الاقتتال فيما بينها تتضاءل حتى التلاشي وهذا هو الهدف الذي يفترض ان تركز الخطة الامنية عليه وان تسعى لتحقيقه بكل الوسائل وخلال اقصر فترة ممكنه.