أخيراً تنازل الزعيم التركي عن تطلعه إلى منصب رئيس الجمهورية لصالح زميله في «حزب العدالة والتنمية» الحاكم عبدالله غول، فهل يهدئ هذا التحول من قلق النخبة العلمانية التي يتزعمها جنرالات المؤسسة العسكرية الذين أثاروا زوبعة حول اعتزام أردوغان ترشيح نفسه للمنصب؟

بشهادة الغرب، حكومات وأحزاباً، فإن «العدالة والتنمية» أشد الأحزاب التركية انضباطاً، وعليه فإن تنحي أردوغان لرفيقه الحزبي غول ليس قراراً شخصياً.

الجنرالات ومن وراءهم من قيادات النخبة العلمانية الأتاتوركية يعلمون هذه الحقيقة علم اليقين. مع ذلك فإنهم ركزوا حملتهم على شخص أردوغان دون الهجوم على حزبه لأن من شأن مثل هذا الهجوم أن يفضح زيف إدعائهم بأنهم حماة النظام الديمقراطي ذي الطابع العلماني. إذ كيف يهاجمون حزباً يربو رصيده في البرلمان المنتخب على ثلثي العضوية دون أن يجلبوا لأنفسهم سخرية المؤسسات السياسية الغربية؟

على مستوى السلطة ظل حزب العدالة والتنمية يمارس لعبة ذكية مفادها كيف يمكن تحقيق إصلاحات ذات طابع إسلامي دون الإخلال بنصوص الدستور التركي مستفيداً من قوته البرلمانية الكاسحة في إطار نظام ديمقراطي ليبرالي، هذه اللعبة تخيف طغمة الجنرالات. لكن ما يخيفهم أكثر هو أن تمتد اللعبة إلى تقليص دور المؤسسة العسكرية في الحكم.

من بين المؤشرات أن حكومة حزب العدالة والتنمية أصدرت تشريعاً بتحريم الزنا وفقاً لمفهوم الشريعة الإسلامية، وأنها اتخذت إجراءات رسمية لفتح أبواب الجامعات التركية لخريجي المعاهد الدينية المعروفة باسم «مدارس الأئمة الخطباء»®. وأنها وضعت خبيراً في الاقتصاد الإسلامي على رأس البنك المركزي.

الآن يتهيأ الحزب للاستيلاء ديمقراطياً على منصب رئيس الجمهورية. وفوز عبدالله غول ليس موضع أدنى شك لأن البرلمان هو الذي ينتخب الرئيس. ويتضاعف رعب الجنرالات منذ الآن لأن من بين الصلاحيات التي يتمتع بها رئيس الجمهورية التركية وفقاً للدستور تعيين القضاة وتعيين مديري الجامعات والأهم من هذا وذاك تعيين قائد الجيش وترؤس مجلس الأمن القومي، وليس من المبالغة أن نتصور أن تركيا أصبحت موعودة بصعود قضاة وأكاديميين من الشخصيات ذات التوجه الإسلامي مع فتح أبواب الجيش أمام الشباب ذوي الميول الإسلامية. ولن يستطيع قادة النخبة العلمانية حينئذ أن يقولوا إن رئيس الجمهورية انتهك بنداً دستورياً.

لهذا نفهم معنى الصرخة التي أطلقها رئيس الجمهورية المنصرف أحمد نجدت سيزار قائلاً إن نظام الحكم العلماني في تركيا «يواجه أكبر خطر منذ تأسيس الجمهورية في عام 1923».

والسؤال الذي يُطرح هو: هل يؤدي اكتمال سيطرة حزب العدالة والتنمية على مؤسسات الحكم التركية إلى تقليص فرصة تركيا لدخول عضوية الاتحاد الأوروبي؟

هذا السؤال لم يعد وارداً فليس هناك الآن في تركيا على أي مستوى من لا يزال مقتنعاً بأن تركيا موضع ترحيب في الاتحاد الأوروبي.