انطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس في جولة تشمل تسع دول، فيما انطلق وزراء آخرون في مهمات خارجية بهدف نبش الحصار وتفكيكه. اذ ان الآمال معقودة على الرئيس عباس ووزير الخارجية زياد ابو عمرو ووزير الإعلام مصطفى البرغوثي ووزير المالية سلام فياض لإيجاد ثغرات في الحصار المالي المفروض على الحكومة.

ويقول الدكتور سلام فياض الذي أجرى مباحثات في بروكسل مع الأوروبيين وفي واشنطن ساخرا انه اذا طرح أحد علينا السلام علينا تحويل ذلك الى خبر في وسائل الإعلام وهو هنا يشير الى المصاعب التي يواجهها لفك الحصار وتوفير مساعدات مباشرة للسلطة الفلسطينية التي ما زالت تعاني وضعا داخليا مضطربا تسوده أعمال الفلتان في غزة والإضرابات في الضفة، بل انه منذ تشكيل حكومة الوحدة انضم أنصار حركة حماس الى الإضرابات فيما قاوموها بشدة إبان حكومة حماس السابقة.

وكانوا يصفون المشاركين في الإضرابات من موظفين بأنهم انقلابيون. ورغم جو التفاؤل الذي تثيره بعض التصريحات الرسمية حول بدء انهيار الحصار إلا ان الموقف الأميركي هو الفيصل وما زال الأميركيون متمسكين بفرض الحصار على حكومة الوحدة رغم اجرائهم اتصالات مع بعض الوزراء فيها من المستقلين مثل سلام فياض.

وقبل تسلمه منصبه كنت أبديت إشفاقي على الوزير فياض من مهمته الجديدة لكنه قال يجب ان نعمل لفك الحصار عن شعبنا وقبل أيام هاتفته اثناء وجوده في الرياض فقال انه يأمل في الموقف السعودي والكرم السعودي للمساهمة في فك الحصار وتوفير الاموال اللازمة لصرف الرواتب ولو جزئيا. فهو تعهد لنقابة العاملين في الوظيفة العمومية أن يدفع دفعة في الأسبوع الأول من كل شهر وأن تتم جدولة ديون الموظفين وقدرها ستمائة مليون دولار لدفعها لاحقا.

حماس ممثلة برئيس الوزراء تراقب عمل الوزراء عن كثب وتطلب منهم التركيز في لقاءاتهم مع الدول الغربية التي تتعامل بانتقائية مع الوزراء بضرورة التعامل مع رئيس الحكومة ووزرائها من حركة حماس ويرفع الوزراء تقارير عن لقاءاتهم الى إسماعيل هنية. الذي يقول اننا لا نمانع من عقد اللقاءات الانتقائية لأن هدفنا كسر الحصار ولكننا وضعنا ضوابط منها الا يتم أي لقاء دون موافقة مني وتقديم تقرير عن أي لقاء لوضعنا في صورة ما يجري.

ومع ان ثمة تجاوبا دوليا لفك الحصار إلا انه كما قلنا فإن الكلمة الفصل هي لواشنطن التي ما زالت ترفض فلك الحصار عن حكومة تتزعمها حركة حماس ومع ذلك ترك الأميركيون الباب مفتوحا لتحويل المساعدات الى حساب منظمة التحرير ولرئاسة السلطة التي تحولها الى وزارة المالية التي تخضع حساباتها لتدقيق أوروبي مشدد خشية مما يسميه الأميركيون وبعض الأوروبيين من وصول الأموال الى حركة حماس.

لكن كل هذه الجهود الخارجية التي أتت بعض أكلها الا انه بموازاة ذلك لم يجر بعد البدء بتطبيق الخطة الأمنية التي أقرت من الحكومة وهناك اتفاق بين الرئيس عباس ورئيس الوزراء على ضرورة شن حملة ضد بؤر الفلتان المسلحة أي العصابات والميليشيات العشائرية وهي قوى باتت مؤثرة في غزة لكن اختطاف الصحفي البريطاني الن جونستون يعرقل ذلك خشية تعرضه للأذى حيث تحتجزه إحدى الميليشيات العائلية وتطالب بفدية مالية مقابل الإفراج عنه ومطالب أخرى أهمها تبرئة قادتها من عمليات قتل سابقة.

وبالتالي صار الصحفي البريطاني رهينة ثمينة بالنسبة لهذه الميليشيا، ولعل تنفيذ الخطة الأمنية وبسط سلطة القانون هو الاختبار الحقيقي لحكومة الوحدة لانها لو نجحت في ذلك لأمكن إعادة الهدوء الى غزة ووقف انطلاق الصواريخ اليدوية الصنع وتطبيق التهدئة المتبادلة مع الاسرائيليين، ويسعى الرئيس الفلسطيني لإقناع حركة الجهاد بوقف ذلك تماما في موازاة الجهود الجارية لانجاز صفقة لتبادل الأسرى التي تقوم بها مصر.

حيث ان الرئيس الفلسطيني يواجه في لقاءاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت بمسألة الجندي الأسير لكن الإسرائيليين ما زالوا يرفضون دفع الثمن مقابل الإفراج عنه وهم يتناسون ان الأسير لم يعد واحدا بل هو اكثر من ذلك لأنه منذ أسره ونتيجة للعدوان الإسرائيلي على غزة سقط قرابة 500 شهيد فلسطيني غير الجرحى والأضرار المادية وهذه كلها لا يجب ان تذهب بلا ثمن بل ان عدد الأسرى الذي يطالب به الفلسطينيون لا يصل الى 500 وهو قليل.

الإسرائيليون في عجلة من أمرهم لإنهاء هذا الملف وكذلك ابومازن، فالطرفان يستعدان لجولة تفاوضية بضغوط أميركية واضحة، اذا ان الوزيرة الأميركية كوندوليزا رايس مصممة على إحداث اختراق على الجبهة التفاوضية خلال هذا الصيف، ويؤيدها في ذلك العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الذي اقنع الأميركيين وغيرهم انه اذا مر هذا العام دون أي اختراق فإن آفاق التسوية ستكون معدومة مستقبلا وهو في هذا السياق كثف من لقاءاته مع معسكر السلام الإسرائيلي والفلسطيني ودعا وفودا أميركية وفلسطينية وإسرائيلية للقائه في عمان.

ورغم هذه الجهود فإن الإسرائيليين كعادتهم يريدون الثمن مقدما دون ان يقدموا أي عربون فهم من ناحية يماطلون في قضية الأسرى ويقفزون عن مناقشة قضايا الحل النهائي ويطلبون من العرب القدوم اليهم ولم يستقبلوا القرار الوزاري العربي بتكليف الأردن ومصر الاتصال بهم لشرح المبادرة العربية بل طلبوا ان تكون هناك دول لا تقيم علاقات مع إسرائيل وهذا يعني انهم يقفزون الى التطبيع مباشرة دون دفع ثمن مقابل.

ولعل اشتراط المجلس الوزاري العربي الاتصال بإسرائيل بشروط فك الحصار.. الخ امر جيد، ويبدو ان كل شيء متوقف الى حين قدوم الوزيرة الأميركية كوندوليزا رايس التي ستزور المنطقة مرتين خلال الشهر المقبل، فالأميركيون بدأوا يرون نتائج على الأرض لسياستهم بشأن الصراع العربي الإسرائيلي وهم مصممون على انجاز شيء مهما كان رغم التصلب الإسرائيلي.

ولعلهم يريدون أولا تمهيد الأرض فلسطينيا وإسرائيليا وعربيا بشأن الخطوة التالية وهي عقد قمة 4+ 4+ 2 أي اللجنة الرباعية الدولية واللجنة الرباعية العربية إضافة الى إسرائيل وفلسطين. ولعل هذا ما تطمح اليه الولايات المتحدة أي إيجاد قنوات اتصال عربية إسرائيلية.. أما بعد ذلك فلا احد يعلم ما الذي يمكن ان تسفر عنه هذه القنوات.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة»فلسطين