حادثة خطف ثم قتل شابين في بيروت، وقعت على لبنان وقوع الصاعقة، استحضرت العملية إلى الذاكرة، الشريط الأسود لبدايات الحرب الأهلية. لذا تفاعلت بسرعة وتحوّلت إلى قضية الساعة ومحور الحركة في البلد.
الخلفية والأجواء الخانقة والمحتقنة، بفعل الأزمة اللبنانية المستحكمة، هددت بتحويلها إلى عود ثقاب قرب برميل بارود، خصوصاً مع الاعلان مساء أمس عن العثور على جثتي الشابين ويبدو أنها مصمّمة لتلعب هذا الدور. أو على الأقل بدت وكأنها محاولة لإشعال نار فتنة تأكل الأخضر واليابس. وكي تحقق هذا الغرض الشرير بحق لبنان، رافقت الحادثة وأعقبتها موجة شائعات، سرت كالنار في الهشيم، لتأجيج المشاعر والتحريض على القيام بردات فعل مماثلة، من نوع أن المخطوفين تمت تصفيتهما. محاولة ردود فعل تحريضية متنوعة تدعو إلى قطع الطرقات والقيام باغتيالات، فضلاً عن الدعوة إلى عمليات خطف مضاد.
الجانب المطمئن أن كل هذه الحملة فشلت، حتى الآن، في تحقيق الغاية السوداء. الاستنكار كان عاماً، شمل كل الأطراف والقوى، وضبط النفس كان سيّد الساحة. والأهم أن الدعوات تحلّت بالهدوء وبرودة الأعصاب.
وقد أشار ذلك إلى وعي الجميع لخطورة الفخ الذي تمّ نصبه للإيقاع بين اللبنانيين. خاصة وأن اختيار الخطف يدل بوضوح على المقصد. فالحادثة وقعت على خلفية الأحداث الخطيرة التي شهدتها بيروت يوم 25 يناير الماضي والتي سقط فيها عدد من الضحايا.
يومذاك، جرى تبادل اتهامات ذات طابع طائفي. وأحد السيناريوهات المتداولة أن الخطف جرى كرد فعل ثأري عائلي. على علاّته يبقى أخف وطأة، إذا كان ذلك هو الحاصل. لكن العائلة المعنية استنكرت الخطف ونددت به. وزاد من تعكير الأجواء أن الغموض بقي سيد الساحة، بالرغم من الاتصالات والمساعي، السياسية والأمنية التي جرت.
الكل يده على قلبه. وتعذّر الكشف عن ظروف الحادثة، يزيد من البلبلة والاحتقان. والأخطر أنه يفسح في المجال أمام الشائعات التحريضية، لتفعل فعلها. في أحسن الأحوال يترك شبح الفتنة يحوم فوق لبنان. فاللحظة اللبنانية شديدة الحساسية وسريعة الالتهاب. وبهذا تأتي هذه الحادثة، التي عرفت الحرب الأهلية نموذجها ـ الذي طالما كان يومذاك بمثابة عامل التزخيم والتأجيج للحرب ـ تأتي لتدق جرس الإنذار بالخطر الماحق الذي يهدد لبنان، طالما بقيت أزمته تتوغل في التعقيد والانسداد.
التحدي الآن أن يتم استنفار وحشد كل الجهود والإمكانات لإحباط أي تداعيات لهذه الحادثة المؤسفة ومراميها.الفشل في ذلك جرعة تمكين للفتنة، والنجاح هو الخيار الوحيد الذي يكفل تعطيل هذا اللغم ويقفل إحدى طرقات التفجير. والأهم أنه ربما يؤدي إلى حالة من اليقظة أو على الأقل إلى حالة خروج من الجمود والمراوحة.
استمرار الدوران في الحلقة المفرغة محكوم بتوليد المناخ المؤاتي لتفريخ ألغام التفجير، وهو المناخ الذي تعيش فيه الفتنة وتكبر في ظله أنيابها ومخالبها.
حتى اللحظة وبالرغم من حدّة الأزمة الممسكة بعنق الوضع، تمكن لبنان من اجتناب الانزلاق إلى الهاوية. لكن مثل هذه المناعة تبقى مهددة طالما بقي الوصول إلى حالة الانفراج متعذراً. ولعلّ اللحظة الراهنة تحفزه نحو المدخل إلى هذه الحالة المنشودة.