ينظر اللبنانيون إلى الانتخابات الرئاسية التي تجري من حولهم عن طريق الانتخاب المباشر أو غير المباشر ويندبون حظهم العاثر، ذلك أن المرات التي مر فيها لبنان باستحقاق رئاسي دون التعرض لأزمات وطنية كبرى تتناقص.
واليوم كما الأمس، هل سيتمكن برلمانهم من انتخاب رئيس جمهورية عند استحقاق موعد الانتخابات الرئاسية، أم أنهم سوف يعيشون في ظل ازدواجية حكم شهدوا فصولها قبل سنوات حين انتهت ولاية أمين الجميل كرئيس للجمهورية اللبنانية عام 1988 دون التمكن من إجراء انتخابات لبديل عنه مما ترك المنصب شاغرا، وحيث قام قبل 15 دقيقة من انتهاء ولايته بتنصيب العماد ميشال عون رئاسة الوزراء مما أدى إلى قيام حكومة عسكرية انتقالية في قصر بعبدا.
وما تلا ذلك من انتخاب حكومة رديفة بقيادة سليم الحص، قبل أن تتطور الأوضاع السياسية والأمنية وتؤدي إلى اشتعال معارك طاحنة في وسط أحياء بيروت الداخلية، علما ان الحلول جاءت حينها مع تغير الظروف الدولية التي أدت إلى قيام اتفاق أميركي ـ سوري وخروج اتفاق الطائف إلى الوجود برعاية المملكة العربية السعودية.
والواضح من التطورات الأخيرة أن موضوع التغيير الرئاسي تهب رياحه في لبنان بسرعة قياسية على الرغم من أن موعد الانتخابات هو في سبتمبر المقبل أي بعد ستة أشهر من اليوم. فقد باتت معركة الرئاسة في صلب التراشق السياسي الذي يشهد توترا كلاميا حادا، كما دخل السياسيون في مزاد طرح أسماء المرشحين للرئاسة في شكل علني. ففي حين يقوم جورج عدوان بوضع صفات لرئيس الجمهورية تسقط على رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع في ظل هجوم كبير يتلقاه هذا الأخير من حزب الله وأطراف المعارضة، يعلن فرنجية من طهران تأييده لتسلم الجنرال عون منصب الرئاسة.
والى أي حد يمكن اعتبار طرح هذه الأسماء في هذه المرحلة في إطار المزاد السياسي بين أطراف المعارضة والحكومة للوصول إلى اسم رئيس متوافق عليه بين الطرفين، فإن أمرا كهذا محتمل مما قد يطمئن إلى أن الأمور تتجه نحو إيجاد بديل لرئاسة الجمهورية، ويصبح عند ذلك السؤال في لبنان: من يكون الرئيس المقبل وليس هل ستجري الانتخابات الرئاسية؟
والحال فإنه مع خروج المحكمة ذات الطابع الدولي من التداول المحلي وطي صفحة الحكومة بات للمعركة السياسية عنوان واضح ألا وهو رئاسة الجمهورية وبحث الملف الرئاسي ومن يخلف الرئيس لحود. وفي حين ستحاول الأكثرية إيجاد موقع لها في القصر الرئاسي لتعزيز دورها في الحكم ستحاول المعارضة في المقابل الحفاظ على موقع الرئاسة المحسوب عليها اليوم.
وعلى الرغم من ان رئيس مجلس النواب، نبيه بري، قد أكد انه لن يكون جزءا من أي موقف يرمي إلى تعطيل جلسة الانتخاب أو أحداث فراغ دستوري أو نشوء حكومتين تضع البلاد على طريق المجهول، يبدو اليوم أن طرفي المعركة لديهما القدرات على تجميد الحياة الدستورية في البلاد، حتى لو كانت الكفة تميل لأحد الطرفين أكثر من الآخر.
وبالرغم من ان سيناريو المستقبل الرئاسي بالنسبة للوضع اللبناني ما زال يلفه الغموض، والتحليلات تتقلب بين التفاؤل والتشاؤم، فإن وجهة البوصلة في كل هذه التحولات يتجه إلى الموقف الأميركي، فهل سوف يستمر في تأزيم الأوضاع أم أن الانفراجات التي سنشهدها في مؤتمر الشيخ سوف تنعكس إيجابا على الساحة اللبنانية، خصوصا وان بوادر ايجابية في هذا الإطار هو تأكيد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة بأن مساعي المملكة العربية السعودية لإيجاد المخارج للأزمة الحالية في لبنان مستمرة.
ويذكر أنه في الانتخابات الرئاسية في لبنان غالبا ما يجري ترتيب تسوية أو صفقة سياسية تعبر عن توافق دولي إقليمي محلي، وهذا ما يصنع الرئيس. وعلى الرغم من أن الحديث اليوم يجري حول النصاب البرلماني لانتخاب رئيس الجمهورية وليس حول التوافق إلا أن الكل يعلم جيدا ان معركة رئاسة الجمهورية في لبنان ليست معركة دستورية بل هي دائما معركة سياسية تطرح فيها في كل مرة وحدة لبنان الذي قام على ميثاق وطني وزع السلطات بين طوائفه.