اطلعت مؤخرا على كتاب ممتع للباحث الفرنسي جيرار لوكلير عن العولمة الثقافية. الكل يتحدث عن العولمة الاقتصادية وتحول العالم كله الى سوق كبرى مفتوحة على بعضها البعض بدون حواجز او جمارك او قيود. ولكن لا احد يتحدث عن العولمة الثقافية وما هو مصير العالم في هذا القرن الواحد والعشرين. وبالتالي فهذا الكتاب يجيء في وقته لكي يسد النقص ويفتح بعض الآفاق الواسعة. والباحث المذكور من مواليد 1943 وهو ذو تكوين فلسفي في الأصل.
ولكنه وسع دائرة اهتماماته لكي تشمل العلوم الإنسانية وبخاصة علم الاجتماع والانتربولوجيا. كما واهتم بشكل خاص بدراسة الحضارات الأخرى وعلاقتها بالحضارة الغربية التي تسيطر على العالم منذ أربعة قرون ولكن التي قد تفقد هيمنتها بعد ثلاثين او أربعين سنة: أي حوالي منتصف هذا القرن. عندئذ سوف ندخل في دائرة الهيمنة الآسيوية من صينية وهندية ويابانية الخ.
يتحدث هذا الباحث الفرنسي عن علاقة الحضارات الكبرى ببعضها البعض وكيفية تشكل علم الاستشراق في أوروبا في القرن التاسع عشر بعد حملة نابليون بونابرت على مصر عام1798. وهو يطرح الأمور في كلا الاتجاهين لكي تتوضح الصورة. فمثلا نلاحظ انه يتساءل قائلا: كيف نظر الأوروبيون الى الحضارة العربية الإسلامية او الحضارة الصينية او الحضارة الهندية او الحضارة اليابانية عندما اكتشفوها او تعرفوا عليها لأول مرة؟
ما رأي مثقفيهم بها، أي المستشرقين بالضبط؟ بالمقابل فانه يطرح السؤال التالي: كيف نظر المثقفون العرب والمسلمون والهنود والصينيون واليابانيون الى الحضارة الأوروبية عندما تعرفوا عليها عن طريق البعثات العلمية الى باريس ولندن وبرلين ونيويورك وروما الخ..؟ وبالتالي فهناك علم استغراب بقدر ما هناك علم استشراق، وهناك مستغربون بقدر ما هناك مستشرقون. وبضدها تتوضح الأشياء. نستنتج من ذلك ان علم الانتربولوجيا الثقافية يساعدنا على المقارنة بين الثقافات والحضارات واكتشاف اوجه التشابه والاختلاف فيما بينها. وهذا ما يسهل عملية حوار الحضارات لاحقا.
ولكن هنا ينبغي توضيح نقطة هامة: هل يعني كلامنا هذا ان كل الثقافات او الحضارات تتساوى مع بعضها البعض وانه لا احد أحسن من احد؟ بالطبع لا. فمن الواضح ان الحضارة الأوروبية متفوقة على غيرها على الأقل حتى الآن.
انها متفوقة علميا وتكنولوجيا وصناعيا وفلسفيا وسياسيا وحداثيا.. والدليل على ذلك هو ان جميع بلدان العالم تحاول اللحاق بها. فهي تسمح بالحرية الدينية او العقائدية بشكل يدهشنا نحن الشرقيين. كما وتسمح بالتعددية الفكرية والصحفية لكي تعكس كل حساسيات البلد وتياراته دون استثناء.
أكتب هذه الكلمات ونحن نشهد هنا في باريس اكبر استعراض ديمقراطي لانتخابات فرنسية حاسمة. فكل التيارات من سلطوية او معارضة لها الحق في ان تعبر عن نفسها بكل حرية. وكلها تعامل بنفس الطريقة على شاشات الراديو والتلفزيون.
بالطبع فان ساركوزي يحاول ان يستغل كونه في السلطة لأخذ بعض المحاباة والامتيازات على منافسيه وبخاصة على شاشات التلفزيون. ولكنها تظل محدودة ومراقبة بشدة من قبل الرأي العام والمؤسسات الديمقراطية. وإذا قرر الشعب الفرنسي غدا ان يسقطه وينتخب سيغولين رويال فانه يفقد كل سلطته وجبروته بين عشية وضحاها. وبالتالي فالشعب الذي رفعه هو نفسه الشعب الذي ينزله. وربما كانت أعصابه الان على كف عفريت.ولكن حظوظه في النجاح ليست قليلة أيضا.بل ربما كانت كبيرة جدا دون ان يعني ذلك انها محتومة. وبالتالي فالمعركة مفتوحة.
لهذا السبب لا نستطيع القول ان كل الحضارات تتساوى كما يفعل بعض الديماغوجيين او الغوغائيين العرب. هناك حضارات تسمح بالحرية الفردية وهناك حضارات لا تسمح. فمثلا يستطيع الفرنسي ان يعيش كل حياته دون ان يضع قدمه في الكنيسة دون ان يفقد قيمته او مواطنيته او إنسانيته ودون ان يراقبه احد او يلاحقه. ويستطيع بالطبع ان يذهب كل يوم الى الكنيسة للتعبد اذا شاء. فلا احد يمنعه كما كان يفعل النظام الشيوعي في عهد جوزيف ستالين او من تلاه عندما فرضوا الإلحاد كعقيدة رسمية للدولة.
وبالتالي فوحده النظام العلماني يؤمن للناس الحرية الدينية بالمعنى الحرفي للكلمة: أي حرية العبادة او عدم العبادة، التدين او عدم التدين. فلا إكراه في الدين في ظل النظام العلماني الحديث. ولكنه يؤمنها لجميع الأديان والمذاهب دون استثناء وليس لدين واحد او لمذهب واحد مهما كبرت قيمته وحتى لو كان يشكل 99بالمائة من عدد السكان. وعلى الرغم من ذلك فان الناس عندنا لا يزالون يخلطون بين العلمانية والإلحاد!
فعندما تقول بأنك علماني مثلا يعتقدون بأنك ملحد.. وهذا خطأ شنيع ويدل على مدى جهلنا بالنظام العلماني وكيفية ظهوره وتشكله على مدار القرنين الماضيين. النظام العلماني هو النظام الوحيد الذي يطبق مقولة عدم الإكراه في الدين: بمعنى انه يحق لك ان تتدين او لا تتدين. ولكن في كلتا الحالتين فأنت مواطن من نفس الدرجة.
وهذا الفصل بين المواطنية المدنية او السياسية من جهة، وبين الانتماء الديني او المذهبي من جهة اخرى هو الذي وحد المجتمعات الأوروبية وأخرجها من جحيم الحروب الطائفية والمذهبية التي تكتسح الان العالم العربي والإسلامي من العراق الى الباكستان وتكاد تمزق كل بلد من بلداننا الى عدة بلدان او دول.
والأخطر من ذلك هي انها تمزق النفوس وتجعل الجار يشك بجاره فيصبح يتحاشاه وكأنه عدو محتمل. وبالتالي فلا حداثة بدون علمنة ولا ديمقراطية سياسية بدون القضاء على الطائفية او على الأقل تحجيمها. العلمنة هي جوهر الحضارة الأوروبية وأغلى ما توصلت اليه بعد أربعمائة سنة من النضال الفلسفي والتاريخي والسياسي.
فالمواطن الفرنسي الذي ينتخب الان رئيس جمهورية فرنسا لا يفكر بدين المرشح الذي سيصوت له او بمذهبه.هذا شيء لا يخطر على باله على الإطلاق. وانما هو يصوت له بناء على مشروعه السياسي وأطروحاته الاجتماعية وشخصيته ومدى كفاءته لاحتلال هذا المنصب الرفيع من اجل خدمة المصلحة العليا للبلاد. ربما بدا من كلامي هذا انه قد شطح بي الفكر وابتعدت عن مفهوم العولمة الثقافية.
في الواقع أني ما أزال في صميمه، فالعولمة تعني تعميم هذا النموذج الأوروبي المتفوق لكي يشمل جميع شعوب الأرض. والدليل على ذلك هو انه لا احد يقول اليوم انه ضد الديمقراطية او حقوق الإنسان او المساواة بين البشر على اختلاف أديانهم ومذاهبهم الخ.. لا احد يقول لك بانه مع الديكتاتورية او مع التمييز العنصري والطائفي بين المواطنين .
لا ريب في انه توجد مجموعات أصولية او قومجية تنص على ذلك صراحة او ضمنا ولكنها لا تمثل التوجه العام لحركة التاريخ. وهي حركة تحررية تمشي الى الأمام لا الى الوراء. صحيح ان تحقيق الحداثة والحرية الدينية والديمقراطية السياسية والتناوب السلمي الحضاري على السلطة سوف يستغرق وقتا طويلا في العالم العربي.
فما حققته أوروبا طيلة أربعة قرون لا يمكن ان نحققه نحن خلال أربعة عقود فقط. ولكن هنا أيضا ينبغي ان ننتبه للأمور. فالعولمة الاقتصادية سوف تؤدي لا محالة الى العولمة الثقافية. وانتشار السلعة في شتى أنحاء العالم سوف يؤدي الى انتشار الفكرة. نقول ذلك وبخاصة ان وسائل المعلوماتية الحديثة من فاكس وانترنت وايميل وهاتف نقال وفضائيات تلفزيونية سوف تسرع من عملية الانتقال الى عصر العولمة الثقافية ولن ننتظر مدة أربعمائة سنة لكي نصبح حضاريين او علمانيين او ديمقراطيين.. فالحداثة تهجم علينا من كل الجهات، والضغوط تتكاثر.
ولن يستطيع احد بعد اليوم إغلاق بابه عليه قائلا: انا لي خصوصيتي ولا أريد لأحد ان يتدخل في مشاكلي. وبالتالي فنحن دخلنا في عصر العولمة الثقافية شئنا ام ابينا، شعرنا ام لم نشعر. وكما قال احد الوزراء المغاربة السابقين: من غرفتي في مدينة فاس استطيع ان أتواصل مع العالم كله خلال ثوان عن طريق تغيير الفضائيات التلفزيونية الواحدة بعد الأخرى وبكل اللغات.. وبالتالي فقد أصبح العالم كله في بيتي. وعلى هذا النحو سوف تختلط الأفكار ببعضها البعض وتتفاعل ولن تبقى هناك خصوصية منغلقة كليا على ذاتها. وبالتالي فلم تعد هناك من حواجز تفصل بين البلدان والقارات كما كان يحصل في الماضي.
يقول جيرار لوكلير بما معناه: قد أفتح الراديو صباحا في شقتي الباريسية فأسمع الصحافي الفرنسي يجري مقابلة عبر الأثير مع مراسل إذاعته في هونغ كونغ او القاهرة. وزوجتي التي تشتغل في شركة كبرى بشارع الشانزليزيه تقول لي بان مكتب الشركة في سنغافورة أرسل لهم بريدا الكترونيا، يخبرهم بان إحدى ممثلاته سوف تزور باريس الأسبوع المقبل وينبغي أن يستعدوا لاستقبالها. يضاف إلى ذلك ان زوجتي نفسها ينبغي ان ترسل رسالة بالفاكس إلى المكتب المركزي للشركة بنيويورك لكي تناقش مسألة زيارة رئيس الشركة الى باريس. وفي أثناء ذلك تصلني أخبار مهمة من القدس والضفة الغربية المحتلة.
ثم يختتم جيرار لوكلير كلامه قائلا: وبالتالي فهذا العالم الذي أعيشه أصبح عالما جديدا والناس الذين عاشوا قبل ربع قرن فقط ما كان بإمكانهم ان يتخيلوه. انه عصر العولمة الثقافية والتلفزيونية وكل شيء. ولكن تعميم النموذج الحضاري الأوروبي لا يعني أن العالم سوف يصبح نمطيا مملا.
فالواقع أن سيكون هناك طريق عربي إسلامي الى العلمانية والديمقراطية مثلما سيكون هناك طريق هندوسي أو بوذي أو صيني كونفشيوسي الخ.. وبالتالي فالخصوصيات لن تنتهي بعد العولمة الثقافية وإنما ستتحول وتتجدد وتصبح أكثر إشراقا وحرية وإنسانية. وسوف نفهم تراثنا عندئذ بشكل صحيح على ضوء العلم الحديث ونتخلص من كل الانقسامات الطائفية والمذهبية الضيقة.
كاتب سوري باريس