في ضوء كل حروب أميركا السابقة التي تضمنت إخفاقات لأجهزة المخابرات وسقطات تكتيكية وإستراتيجية ونزاعات في الكونغرس وغضباً محتدماً من جانب الرأي العام على الرئيس، فإن العراق والضجة الكبرى التي تثار حوله ليست بالشيء الخارج عن المألوف.
دعنا نتصور أن مجلس النواب قد ناقش مشروع قانون يخول الرئيس الأميركي استخدام القوة في العراق، بعد أن تكون القنابل قد تساقطت هناك «فقط». وماذا لو أن الكونغرس بعد النقاش، الجاري وسط الحرب وقواتنا منغمسة بالفعل في القتال حجب مثل هذا التخويل عن الرئيس فجأة؟
هذا هو على وجه الدقة ما حدث للرئيس كلينتون خلال حرب صربيا عام 1999، حيث لم يوافق أي من مجلس الشيوخ أو مجلس النواب على حملة القصف الوقائية التي كانت الإدارة تنفذها ضد صربيا. وقد دفع هذا الموقف من جانب الكونغرس المعلق الليبرالي مارك شيلدز إلى القول عبر برنامج «الساعة الإخبارية من شبكة بي. بي. إس» إن القوات الأميركية تضع حياتها على المحك والكونغرس يقول إننا لسنا معكم.
أو لنتأمل المناخ النفسي الوطني في عام 1968، عندما تكبدت الولايات المتحدة ما يزيد على 16000 قتيل في فيتنام (وبذلك المعدل فإننا فقدنا من القوات في ثلاثة أشهر ما يزيد على السنوات الأربع بكاملها التي امتدت خلالها حرب العراق). وفي معرض الرد عمت الاحتجاجات البلاد، واجتاح المحتجون مؤتمر الحزب الديمقراطي في شيكاغو. وشاهدت بلاد تعاني من الاستقطاب في اتجاهين متناقضين مصرع روبرت كيندي ومارتن لوثر كينغ.
ما من شيء في العراق يقترب من الضجة التي ثارت حول كوريا كذلك. مرة أخرى دعنا نفترض ما يلي: يقوم الرئيس بوش بإدارة الحرب الراهنة في العراق بالاستعانة بقائد جديد للقوات الأميركية هناك، هو جنرال ديفيد بترايوس، الذي يصرح للصحافة مراراً وتكراراً بأنه يتعرض للطعن في الظهر من قبل إدارة لا تدعمه، وعندئذ يصرفه بوش من الخدمة، فيعود الجنرال إلى الولايات المتحدة لحضور الاستعراضات العسكرية، بينما يتحول الرئيس إلى رجل بغيض مع مقتل آلاف آخرين من الأميركيين.
هذا السيناريو يلخص لنا الجدل الذي دار بين ترومان وماك آرثر حول جمود الوضع في كوريا. فأثناء ذلك الصراع، قام الرئيس ترومان بإقالة وزير الدفاع لويس جونسون، والجنرال دوغلاس ماك آرثر، كبير قادته العسكريين في مسرح العمليات، وواجه مطالبات بعزله من جانب أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي، بما في ذلك المبجل روبرت تافت. وبحلول فبراير 1952، بلغت شعبية ترومان 22% - وهي أقل شعبية يحصل عليها رئيس أميركي في منصبه، بما في ذلك جورج بوش وريتشارد نيكسون.
خلال الحرب العالمية الثانية، قتل أكثر من 1000 من جنود المارينز في غضون 72 ساعة في جزيرة تاراوا الصغيرة في المحيط الهادي، في هجوم على معقل ياباني كان يعتبر في أحسن الأحوال هدفاً اختيارياً. إن صور جثث الأميركيين التي نشرتها مجلة «تايم» وهي تطفو على الأمواج أدت إلى غضب على الصعيد الوطني ودعوات لاستقالة الأدميرال الذي يحظى باحترام كبير تشيستر نيميتز. وقال أحد المحاربين القدامى في المحيط الهادي الجنرال هولاند إم سميث إن المذبحة الأميركية التي لا معنى لها كانت مشابهة لهجوم بيكيت المكلف والعقيم على غيتيسبيرغ.
منذ الحرب العالمية الثانية، فشلت وكالات مخابراتنا تماماً في التنبؤ بالغزو الصيني لكوريا، وحرب أكتوبر 73، وسقوط شاه إيران، والغزو الروسي لأفغانستان، وسقوط جدار برلين، والانتشار المفاجئ لحركات التشدد الإسلامي،والغزو العراقي للكويت، المذابح الكمبودية والرواندية، وامتلاك القنبلة النووية من قبل باكستان وكوريا الشمالية.
لم تكن هناك حروب سابقة أسهل على الرؤساء من حرب العراق على الرئيس الأميركي بوش. فهاري ترومان، وليندون جونسون، وريتشارد نيكسون تركوا مناصبهم مكرهين. ورؤساء زمن الحرب مثل أبراهام لينكولن، وليام ماكنلي، وفرانكلين ديلانو روزفلت إما تم اغتيالهم أو ماتوا وهم في مناصبهم. وكانت العاقبة المثيرة للجدل للحرب العالمية الأولى سبباً محتملاً في السكتة الدماغية لوودرو ولسون. إن الحرب ذات الرهانات العالية لترسيخ الديمقراطية الهشة في العراق عمل جاد ومكلف ومثير للجدل. ولكن كان هذا هو حال معظم الصراعات في التاريخ الأميركي.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل«البيان»