«مكافحة الإرهاب مستمرة»، « لا لتدمير الجزائر»، «كلنا ضد أعداء الجزائر»، و«نعم للمصالحة الوطنية» هذه بعض من الشعارات التي حملها مئات الآلاف من الجزائريين عبر مختلف ولايات الوطن في مسيرات حاشدة بتنظيم من الأحزاب السياسية وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني. المسيرات الشعبية الحاشدة نددت بتفجيرات الأربعاء الأسود -11 أبريل 2007. والرسالة كانت تتلخص في مواصلة مسار السلم والمصالحة الوطنية.
هذه المسيرات كانت فرصة لتفاعل الشارع مع القيادات المدنية والنقابية والسياسية من أجل المزيد من اليقظة والحذر أمام الهمجية الإرهابية. من خلال مسيرات الثلاثاء 17 أبريل الماضي أكد الشعب الجزائري أنه لا يريد العودة إلى العشرية السوداء وأنه هو المسئول بالدرجة الأولى عن حماية نفسه وبلده من كل من يهدف إلى المساس بأمن واستقرار الجزائر وكل من يشكك في المصالحة الوطنية. دلالات المسيرات تشير إلى نضج الرأي العام الجزائري وبلوغ الشارع الجزائري درجة من الوعي تجعله في يقظة كبيرة وإيمان راسخ أن الجزائر لن تعود للعشرية السوداء وللمجازر الوحشية التي كانت تخلف في الليلة الواحدة مئات القتلى.
فوجئت الجزائر في الأيام الأخيرة بتفجيرين ضربا العاصمة الجزائرية بعد أن ظن الكثيرون أن الجزائر ودعت الإرهاب إلى الأبد. وفي حقيقة الأمر هناك عدة قراءات للأعمال الإرهابية الأخيرة. والقراءة الأهم هي ما حدث بعد أسبوع واحد من الأعمال الإرهابية عندما قرر الشعب الجزائري في كافة ولايات البلد الخروج في مسيرات حاشدة للتنديد بالإرهاب ولرفض الجرائم الوحشية جملة وتفصيلا.
ما حدث على الصعيد الداخلي حدث على الصعيد الدولي حيث سارعت مختلف دول العالم للتنديد بما حدث يوم 11 أبريل الماضي في العاصمة الجزائرية. هذا التنديد الدولي كان غائباً وغير موجود تماما في التسعينات أو العشرية السوداء كما يسميها الجزائريون. وهنا نلاحظ أن العالم بأسره تجند الآن ضد الإرهاب واقتنع بضرورة محاربته، الأمر الذي كان غير واضح البتة في التسعينات من القرن الماضي.
فالنظرة إلى الإرهاب تغيرت تماما حيث إنها كانت ضبابية في التسعينات وكانت دول عديدة تتعامل مع الإرهاب بمقاييس ومعايير مختلفة، وأكثر من ذلك كان البعض منها يستعمل الإرهاب لتحقيق أهداف معينة. وفي هذه الظروف كانت الجزائر تعاني من ضغط داخلي ومن تهميش دولي خطير والدليل على ذلك توقف معظم شركات الطيران عن نشاطها مع الجزائر.
إذا قارنا الإرهاب في الجزائر في التسعينات أو ما يسمى بالعشرية السوداء وما حدث في الأيام الأخيرة نلاحظ أن الفرق كبير جدا ولا مجال للمقارنة لعدة اعتبارات. في التسعينات وعندما كانت الجزائر تحارب الإرهاب وكان الأبرياء من الأطفال والشيوخ والعجزة والعزل يموتون بالعشرات بل المئات كانت معظم العواصم الغربية تأوي الإرهابيين وتمنح لهم كل التسهيلات لتجميع الأموال وللنشاط في ضوء النهار، وأحسن مثال على ذلك أبو حمزة المصري أحد الذين كانوا ينشطون في ضوء النهار في مسجد «فينسبوري بارك» بلندن.
وحتى الشعب الجزائري نفسه كان منقسما إزاء مشكلة الإرهاب في الجزائر وكانت الصورة ضبابية أمام الكثيرين. وخلال التسعينات وفي الظروف الصعبة التي كانت تمر بها الجزائر كان العديد من الدول يتفرج ولم يحرك ساكنا. وبكل موضوعية يمكن القول إن الجزائر استطاعت أن تحتوي الإرهاب على الأقل على الصعيد الأمني. ماذا بالنسبة للجبهات الأخرى. إن عزل الإرهاب وتطويقه واحتوائه يتطلب استئصال جذوره وأسبابه.
فالقضاء على الإرهاب يتطلب القضاء على الفقر والجهل ومشكلات البطالة والسكن وتطبيق العدالة الاجتماعية واحترام الفرد. فالأمر يتطلب إدخال إصلاحات سياسية وإشراك الشعب في الممارسة السياسية والمشاركة في صناعة القرار وكذلك التناوب على السلطة وإعطاء الفرصة للشباب لتقلد مناصب المسئولية. استئصال الإرهاب يتطلب رفع مستويات التنمية والمعيشة وتطوير البنية التحتية واستئصال الفساد الإداري والمالي ومشكلات الرشوة والتلاعب بثروات البلاد. فقضية «الخليفة» وقضايا بنكية عديدة وقضايا الفساد المالي أصبحث الموضوع المفضل للصحف الجزائرية وحديث الشارع في الآونة الأخيرة.
استئصال الإرهاب بحاجة إلى تفعيل المجتمع المدني وتفعيل روح المسئولية عند كل مواطن ونشر ثقافة التعاون بين السلطة والشعب من أجل المصلحة العامة ومن أجل القضاء على التهميش والإقصاء والوقوف أمام الانتهازيين والذين يتلاعبون بأموال ومصالح الشعب.
الكلام عن الإرهاب يقودنا للكلام عن الحرب الشاملة التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية ضده. وهذه الحرب حسب المختصين والمحللين توّلد الإرهاب وتساعد على انتشاره أكثر مما تساعد على محاربته واستئصاله. فالسفارة الأميركية في الجزائر مباشرة بعد الهجومين الإرهابيين، زادت الزيت على النار وأعلنت على موقعها بالانترنت عن احتمال وقوع عمليتين إرهابيتين في البريد المركزي ومقر التلفزيون.
وهذا ما يعتبر استفزازا وتدخلا سافرا في شؤون بلد ينعم بسيادته وحريته. فتصرف السفارة الأميركية يخرج عن أعراف الدبلوماسية والايتيكيت واحترام الدول والشعوب. وهذا ما يؤكد من جهة أخرى أن مقاربة أميركا لاحتواء الإرهاب ومحاربته بعيدة كل البعد عن الواقع. فما قامت به السفارة الأميركية في الجزائر يعتبر عملا غير مسؤول.
مسيرات الرفض يوم 17 ابريل الماضي في مختلف ولايات الجزائر تشير إلى أن الشعب الجزائري تعلم الدرس وقرر وبصفة مطلقة لا رجعة فيها إدانة الإرهاب والتبرؤ منه. هذا بطبيعة الحال إنجاز كبير إذا ما ألقينا نظرة إلى الوراء وبالتحديد للتسعينات. لكن الإرهاب بخطورته وشبكاته المحلية والعالمية يتطلب اليقظة الدائمة والمستمرة ويتطلب القضاء على أسبابه وجذوره.
وحتى تعامل الإعلام الجزائري مع الإرهاب هذه المرة وإذا قارناه بالتسعينات نلاحظ نضجا في التحليل والتعامل مع الأزمة بحرفية ومهنية كالرجوع إلى المرجعيات الدينية ورأيها فيما يحدث. وتجدر الإشارة هنا لاستفادة التلفزيون الجزائري من الشيخ يوسف القرضاوي ومقابلة عائلة الإرهابي الانتحاري وكذلك تغطية المسيرات الحاشدة في مختلف أنحاء الجزائر. فمحاربة الإرهاب يجب أن تكون على مختلف الأصعدة: سياسيا واقتصاديا ودينيا وثقافيا واجتماعيا وفكريا وأيديولوجيا، كما يجب احترام الإنسان باحترام حريته وكرامته وضمان سبل المعيشة الشريفة.
كلية الاتصال جامعة الشارقة