كان من الواضح منذ البداية ان عملية «الهدنة» التي دخلت حيز التنفيذ بين الحكومة والفصائل الفلسطينية من جهة والحكومة الإسرائيلية من جهة أخرى في السادس والعشرين من شهر نوفمبر الماضي، لا يراد لها الصمود لفترة طويلة خاصة من قبل الحكومة الإسرائيلية التي كانت ترفض خيار الشعب الفلسطيني في اختيار حكومته وما تلا ذلك من اتفاق مكة بين السلطة الوطنية والفصائل الفلسطينية للتوصل إلى اتفاق أدى إلى ولادة عسيرة لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي كانت الحكومة الإسرائيلية تحاول بشتى السبل والوسائل إجهاضها.
وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية قد قبلت الاتفاق الظاهري على الهدنة وكنوع من عملية ذر الرماد على العيون، إلا أنها عمليا لم تلتزم بها يوما من الأيام ومنذ سريان «هذه الهدنة» والتي وصفت على إثر ذلك «بالهدنة الهشة» وهو وصف يعبر تعبيرا صادقا ومؤكدا عن مدى عدم التزام الحكومة الإسرائيلية بهذا الاتفاق، والدليل على ذلك سلوك الحكومة الإسرائيلية على الفور طريق الاستفزاز وعمليات التحريض للإيقاع بين الفصائل الفلسطينية.
أضف إلى ذلك قيام الحكومة الإسرائيلية بمحاربة الفصائل الفلسطينية وتأجيج الصراع بين حركتي حماس وفتح للتوصل إلى حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي أدىَ إلى اشتعال الخلافات والفتن بين الحركتين مما أدى إلى قيام مناوشات وعمليات عسكرية وقتل من الطرفين شملت مسؤولين بارزين في الحركتين وبعض قوات الحرس والأمن الفلسطيني وإلى إثارة الفوضى وعدم الاستقرار داخل الأراضي الفلسطينية.
ولم تكتف الحكومة الإسرائيلية بهذا الحد من تأجيج الصراع والخلافات بين الأشقاء الفلسطينيين ولم يهدأ لها بال حتى قامت باختراق هذه «الهدنة الهشة» فأمرت قواتها خلال الأيام الماضية للقيام بشن غارات وعمليات عسكرية على الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة الأمر الذي نتج عنه استشهاد عدد الفلسطينيين بينهم مدنيون من أطفال وشبان، وشهد مطلع هذا الأسبوع وفاة أكثر من عشرة فلسطينيين في عمليات عسكرية شنتها القوات الإسرائيلية خلال مداهمات جرت في الضفة الغربية المحتلة.
وصرحت مصادر أمن إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي أنهى مؤخرا برنامجا لتدريب القوات البرية على شن هجوم على نشطين فلسطينيين في قطاع غزة في حالة إعطاء الحكومة الضوء الأخضر للقيام بذلك.
هذه الاستفزازات والعمليات العسكرية الإسرائيلية غير المبررة والتي اخترقت خلالها الحكومة الإسرائيلية هذه الهدنة التي لا تريدها أصلا لممارسة عمليات القتل والاغتيالات اليومية ضد الفلسطينيين، أدت بطبيعة الحال إلى قيام بعض العناصر بالدفاع والرد على عمليات القتل الإسرائيلية ضد الأبرياء من الفلسطينيين التي تعطي الحكومة الإسرائيلية نفسها الشرعية والحق في قتلهم.
وبالرغم من ذلك تلتزم الحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس بضبط النفس وتحاول التهدئة حيث دعت بعد هذه التطورات إلى الحفاظ على الهدوء ووقف إطلاق النار.
إن العمليات العسكرية والاستفزازية واختراق الهدنة التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية لا تؤدي إلى بناء الثقة والعمل نحو حل القضايا العالقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بالرغم من التزام الحكومة الفلسطينية بضبط النفس، وعلى الرغم كذلك من أن العرب قد برهنوا رغبتهم في التوصل إلى سلام حقيقي ودائم مع إسرائيل من خلال تقديمهم للمبادرة العربية للسلام، إلا أن الحكومة الإسرائيلية لم تثبت رغبتها في خيار السلام ولم تبادر إلى ذلك في يوم من الأيام.
وإذا لم تغتنم الحكومة الإسرائيلية هذه الفرصة وتتخل عن عمليات القتل والإغتيالات ضد الأبرياء فقد تفوتها فرصة تاريخية للسلام قد لا تتكرر في المستقبل.