دع هذه المسألة تتضح على نحو لاغموض فيه، ولا يحمل اللبس، فالسلطة الكبيرة تحمل معها مسؤولية كبيرة. والرئيس والكونغرس الأميركيان يتمتعان بسلطة إرسال المقاتلين الأميركيين إلى الحرب، وهما أيضا يتحملان المسؤولية عن العناية بهذه القوات وعائلاتها.
وواجبهما التأكد من أن عائلات من سقطوا في ميدان القتال لن تسقط من خلال الشقوق. وعليهما أيضا التزام مقدس بالتأكد من أن من جرحوا في غمار الخدمة سيحظون بأفضل رعاية صحية يمكن لأمة ثرية أن توفرها. وبينما نعيد تقرير ما ينبغي أن يكون واضحا وجليا، فإن السياسيين تقع على كاهلهم كذلك مسؤولية التيقن من أن إدارة شؤون قدامى المحاربين تعنى عناية جيدة بقدامى المحاربين الذين شاركوا في الحروب التي انقضت وبعد العهد بها، الحرب العالمية الثانية، الحرب الكورية، حرب فيتنام وحرب الخليج.
إن هذا هو العقد الذي أبرمته أميركا مع من يتحملون عبء حماية بقية الشعب الأميركي والدفاع عنه. وإذا لم يكن في الوسع الثقة بالسياسيين للوفاء بهذا العقد طوال الوقت، فما الذي يمكن أن نثق بهم للقيام به؟
ومسؤولية باقي الأميركيين جميعا التيقن من أن السياسيين والقادة العسكريين سيؤدون واجبهم، وإذا لم يؤدوه فإن من واجبنا الإطاحة بهم على وجه السرعة، ومن يخفقون في أداء هذه المهمة النبيلة ينبغي أن يقتلعوا اقتلاعا وأن يستدعوا أمام الكونغرس لطرح الأعذار العرجاء التي يمكنهم أن يتعللوا بها، ثم يصرفوا من الخدمة، فهم لا يستحقون الاحترام أو المنصب أو المرتبة الرفيعين دع جانبا استحقاق المعاشات الوفيرة.
إن ثلاثة أرباع الواحد في المئة من الأميركيين هم فحسب الذين يرتدون الزي العسكري، وهم من المتطوعين الذين يتحملون عبئا جسيما ومخاطرة قاتلة بمزيد من التضحية بالنفس، وهم في غالبيتهم فخورون بالاضطلاع بمهمتهم، إنهم ليسوا بالمرتزقة.
كما يحاول البعض جعلنا نعتقد، وهم ليسوا، كما عبر دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق، ممن يمكن استبدالهم وإحلال آخرين محلهم، وليسوا بقطع غيار لا ملامح لها وقابلة للتبديل في ماكينة تلتهم المال وتبصق الموت والدمار، إنهم ينتمون إلى الشعب الأميركي، والألوف منهم أرسلوا إلى العراق وأفغانستان مرتين أو ثلاثا أو أربعا خلال الأعوام الماضية.
لقد قام الجيش الأميركي، في إطار جهد يرمي إلى توفير المال، بإعطاء جنود أصيبوا في القتال أقل تقديرات عجز ممكنة. وفي سنوات جرح خلالها أو أصيب 50 ألف جندي، قلص الجيش الأميركي عدد الذين كانوا قد منحوا هذا التقدير ـ والمعاش الذي يصرف على أساسه ـ في العام السابق للعام الذي خضنا فيه الحرب.
وفي أعقاب القيام بعمليات الكشف عن أن الجنود الجرحى والذين يتعافون يحولون إلى ثكنات بائسة في مستشفى والتر ريد التابع للجيش، كان أول رد فعل لقادة الجيش هو معاقبة «جراحي الفصائل» المسؤولين عن هؤلاء المرضى بالعيادات الخارجية، دع جانبا أن جراحي الفصائل هؤلاء يتعافون هم أنفسهم من جراح أصيبوا بها خلال الحرب، ويتحملون المسؤولية عن 40% أو 50% أو 60% من الجنود الجرحى الآخرين الذين عهد بهم إليهم.
عندما لم يؤد ذلك إلى توليد المزيد من الحنق فحسب، قام الجيش الأميركي بتسريح ميجور جنرال جورج ويتمان قائد مستشفى والتر ريد، الذي لم يشغل هذا المنصب إلا ستة أشهر فحسب. ثم توالت الأخبار عن المشكلات الغريبة المتعلقة بإسكان هؤلاء الجنود وعلاجهم، والذين يتعين عليهم الانتظار في مستشفى والتر ريد لمدد تصل إلى 12 شهراً بينما يقوم المسؤولون عن معاملاتهم الورقية بانجاز عملية تسريحهم لأسباب طبية أو إعادتهم إلى الخدمة، وهي عملية تواصلت على مدى سنوات. وقد وردت أنباء عنهم لأول مرة قبل عامين في مجلة «صالون» الإلكترونية، وقد عرف بأمرهم قادة المستشفى وأعضاء الكونغرس وحتى زوجة رامسفيلد على امتداد أعوام.
غير أن أولئك الذين أعربوا عن شكوكهم من المعاملة المروعة التي تحل بساحة الجنود الجرحى الأميركيين لم يلقوا اكتراثا يذكر ممن يتحملون المسؤولية عن حل المشكلات، إذا كان هذا كله قد جرى في المستشفى الأول للجيش الأميركي وفي كل البيت الأبيض والكابيتول هيل، فما هو الموقف من المنشآت العسكرية الصحية الأقل بروزا؟
كيف تمضي الأمور في المستشفيات التي تتولى رعاية قدامى المحاربين الذين تشرف عليهم إدارة قدامى المحاربين؟، لقد بعث لي قارئ برسالة عبر البريد الإلكتروني يشير فيها إلى أن الأميركيين إذا كانوا يريدون حقا الوصول إلى قاع هذه الفضيحة فما عليهم إلا تشكيل لجنة تحقيق تتألف من عشر أمهات لجنود جرحى بدلا من المشتبه بهم المعتادين الذين يجلسون في اللجان الشكلية ولا يجدون أحدا يتحمل المسؤولية عن المشكلات، وكتب القارئ يقول: إن الأمهات سيحددن من يتحمل اللوم في وقت قصير وسيعثرن على المشكلات التي تحتاج إلى حل في وقت أقصر، وإني لأدعم هذا الاقتراح.
خدمة «لوس انجلوس تايمز» ـ خاص لـ «البيان»