اختلطت الأمور علينا في العالمين العربي والإسلامي ولم نعد نعرف هل مازال هناك أمل في تحقيق سلام يسمى بالعادل والشامل مع إسرائيل بالرغم من أن منطق الأمور ومجريات الأحداث والمتغيرات المختلفة والحقائق على الأرض كلها تشير بأن السلام أو ما اسماه الرئيس الشهيد ياسر عرفات بـ «سلام الشجعان» قد انتهى ولم يعد مطروحاً.

كيف لا ينتهي والمسلسل الإجرامي الإرهابي الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل مستمر وكل يوم يقدم هذا الشعب الصابر الصامد بإرادته وعزيمته وإيمانه بأرضه وتاريخه ومستقبله وانتمائه كوكبة من الشهداء الأبرياء أمام أنظار العالم «المتحضر» والعالم «المتخلف» وكأن شيئا لم يكن. ثم نسمع من العالم «المتحضر» عن الحريات والديمقراطيات وحقوق الإنسان، ونسمع عن التنمية والازدهار والتطوير والتحديث والصمود من العالم «المتخلف»، ولا شيء من هذا وذاك يتجسد على أرض الواقع.

لقد اختار العرب والمسلمون خيار السلام على أنه الخيار الاستراتيجي وقدموا من أجل ذلك التنازلات التي لم يكن يحلم بها الإسرائيليون وكان هذا الخيار الاستراتيجي نتيجة لمتغيرات إقليمية ودولية كبيرة بدأت في مؤتمر مدريد الذي جاء نتيجة لحرب تحرير الكويت وتدمير العراق وحصاره وانهيار الكتلة الشرقية وسقوط الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي مكن الولايات المتحدة من قيادة السياسة الدولية نحو نظام عالمي آحادي القطب تتحكم بواسطته بمصائر الدول والشعوب خاصة في عالمي الشرق والجنوب.

والحقيقة أن العرب بدأوا مسار السلام قبل ذلك كثيراً عندما عقدت مصر صلحاً مع إسرائيل عام 1979، تلاها بعد ذلك سعي العديد من الدول العربية لعقد سلام منفرد مع إسرائيل. كما أجرت منظمة التحرير الفلسطينية محادثات سرية مع بعض الأطراف الإسرائيلية اليسارية بحثاً عن الخيار السلمي والقبول بدولة فلسطينية على كامل الأراضي المحتلة منذ عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية بالرغم من أن هذه الدولة كانت مرفوضة قبل ذلك وكان يطلق عليها آنذاك من قبل الفلسطينيين أنفسهم في منظمة التحرير الفلسطينية بـ «الدويلة الفلسطينية».

ولكن القيادة الفلسطينية في منظمة التحرير وبعد اندلاع انتفاضة الاستقلال في ديسمبر عام 1988 ارتأت أن هذا التطور الخطير والكبير يتطلب تطوراً سياسياً دراماتيكياً يتماشى ليس فقط مع روائع النضال الشعبي الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة وولادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كمنافس لحركة فتح داخل فلسطين.

ولكن مع المتغير الإقليمي البارز الذي تجسد مع قرار الأردن بفك الارتباط مع الأراضي الفلسطينية والمتغير الدولي الذي تجسد في التوجه السوفييتي بقيادة الرئيس ميخائيل جورباتشوف نحو إنهاء الحرب الباردة مع الولايات المتحدة وما يترتب على هذا التوجه من تداعيات على منطقة الشرق الأوسط وموازين القوى فيها.

وهذا التوجه السوفييتي يجسد واقعاً حينما زار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد موسكو سعياً لدعم سوفييتي من أجل تعديل موازين القوى العسكرية مع إسرائيل وكان الرد السوفييتي هو أن على دمشق أن تسعى لحل سلمي لأن العالم سيشهد تغيراُ نوعياً لموازين القوى الدولية والسياسة الدولية برمتها.

إن المتغيرات الفلسطينية والإقليمية والدولية أنتجت اتفاقات أوسلو وغيرها بين الفلسطينيين والإسرائيليين وأنتجت اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل وأنتجت اتفاقيات سلام مباشرة أو غير مباشر بين بعض الدول العربية وإسرائيل وبدأت مسيرة التطبيع مع إسرائيل من قبل العديد من الدول العربية والإسلامية التي أضعفت كثيراً الموقف الفلسطيني لأنها بدأت قبل أن يتحقق الهدف الأساس الذي من أجله أجريت مفاوضات السلام وهو استعادة الأرض العربية المحتلة.

لقد فشلت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية فشلاً ذريعاً وسقطت كل الاتفاقات المؤقتة لأن إسرائيل الدولة التي تحتل الأرض العربية لم تكن جادة في الوصول إلى سلام يرتكز على مبدأ الأرض مقابل السلام ولكنها أرادت السلام مقابل السلام والتطبيع مع الدول العربية، وهذا الأمر تجسد بوضوح منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 التي عكست مدى الإحباط الذي وصل إليه الشعب الفلسطيني بعد أن أظهرت إسرائيل موقفها الحقيقي من السلام في مفاوضات كامب ديفيد بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك.

هذا الفشل ترجم فيما بعد في السياسة المنهجية لإسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وقيادته ودفع ثمنه الصف الأول من القادة الفلسطينيين وعلى رأسهم الرئيس ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين والشهيد أبو علي مصطفى والشهيد عبد العزيز الرنتيسي وعدد كبير من قادة الشعب الفلسطيني السياسيين والميدانيين وكان الموقف الأميركي بقيادة إدارة الرئيس بوش داعماً مطلقاً للسياسة الإسرائيلية مستغلاً حربه على ما يسمى «الإرهاب» بعد الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة في العالم مبرراً لهذا التأييد.

ولكن بعد ذلك طرأ متغيران جوهريان في منطقة الشرق الأوسط لا بد من إدراك أبعادهما الاستراتيجية والسياسية في الساحتين العربية والإسلامية سيما وأن الدول العربية والإسلامية تبنت المبادرة العربية لعام 2002 والتي جسدت الحدود الدنيا التي يمكن أن يقبلها العرب مقابل السلام والتطبيع مع إسرائيل. هذان المتغيران هما احتلال العراق من قبل الجيش الأميركي عام 2003 والعدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو عام 2006.

إن أبعاد هذين المتغيرين هامة جداً لمستقبل المنطقة بأسرها ومستقبل السلام بمفهومه الحقيقي بعد أن أصيبت الإدارة الأميركية وحكومة إسرائيل بهزيمتين كبيرتين عسكرياً وسياسياً في العراق ولبنان، مما يعني أن المشروع الأميركي الإسرائيلي في بناء شرق أوسطي جديد قد مني بالفشل ولم يبق منه إلا بقدر ما تبقى من وقت لحكم اليمين الجديد الحاكم في واشنطن وحليفه اليمين الإسرائيلي المحتضر أساساً.

وبالتالي فإن الدول العربية التي أكدت تمسكها بالمبادرة العربية في قمة الرياض الأخيرة في الشهر المنصرم كان ضرورياً وهاماً لا سيما وأن هذه القمة كانت قمة المصالحة بين الدول المؤثرة في المنطقة العربية وتحديداً بين المملكة العربية السعودية وسوريا وبين مصر وسوريا. إن المثلث الحيوي الذي تشكله هذه الدول الثلاث هام واستراتيجي لإدارة الصراع العربي الإسرائيلي وعملية السلام مع إسرائيل.

ولكن من الناحية الأخرى يجب على الدول العربية والإسلامية أن تدرك أن خيار السلام الاستراتيجي وحده لن يكون كافياً لتحقيق السلام الشامل والعادل مع إسرائيل خاصة وأن عملية السلام التي نعاها أمين عام الجامعة العربية في العام المنصرم مازالت ميتة ولن تحييها الرباعية الدولية أو المبادرة العربية التي رفضتها إسرائيل منذ ولادتها ولا تزال بالرغم من بعض التصريحات الجوفاء التي تصدر من قبل بعض الساسة الإسرائيليين.

هذا لا يعني أن المطلوب في هذه المرحلة تحريك الجيوش والعودة إلى حالة الحرب التي كانت سائدة في العقود الأربعة الأولى للصراع العربي الإسرائيلي، وإنما المطلوب هو موقف عربي وإسلامي واحد لتنفيذ القرارات التي تم تبنيها في القمم والاجتماعات العربية والإسلامية الداعية لفك الحصار المالي والاقتصادي عن الشعب الفلسطيني فوراً ودعم نضاله السياسي والمقاومي ضد الاحتلال حتى يدرك المحتل صعوبة استمرار الاحتلال واستحالة تحقيق هدفه الحقيقي وهو الاستيلاء على الأرض العربية.

إن استمرار الوضع الراهن الذي يوصف بحالة اللاسلم واللامفاوضات واللامقاومة الفعالة تخدم المشروع الإسرائيلي وتدمر الآمال الفلسطينية والعربية في استعادة الحقوق الوطنية. لذلك لا بد للساسة الإسرائيليين أن يدركوا أن البعد الفلسطيني مازال ممتداً ومتداخلا مع المجالات والفضاءات العربية والإسلامية والدولية وأن ميزان القوى الذي يميل لصالح إسرائيل في الوقت الحالي لن يبقى جامداً على حاله إلى ما لانهاية.

وعليه فإن وزراء خارجية الدول الإسلامية الـ 57 والمنطوية تحت مظلة منظمة المؤتمر الإسلامي الذين سيجتمعون في إسلام آباد في منتصف الشهر القادم أمام اختبار كبير وتحد صعب بداية لتنفيذ القرارات السابقة وثانياً لدعم مقاومة فلسطينية فعالة من أجل تحقيق سلام الشجعان.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com