من دواعي الأمل في استراتيجية الحكومة الاتحادية التي أعلنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أنها تقوم على وعي شديد بالمتغيرات العالمية ومعرفة واضحة ودقيقة بالواقع الإماراتي..، معرفة تضع يدها على مواطن الداء، معرفة قائمة على المتابعة الدقيقة لأسلوب عمل الوزراء، والشجاعة الأدبية في مواجهة أي تقصير أو اهمال؛ فقد انتهت عصور المجاملات، ولا مقياس للتقويم سوى العمل والنتائج المتحققة على أرض الواقع، في ضوء اختلاف طبيعة المرحلة وما تفرضه من تحديات.

إن سبيل التقدم نحو المدينة الفاضلة هو التفكير بطريقة جديدة تواكب المرحلة، وتضع في حسبانها الممارسات العالمية في مجال الإدارة الحكومية المتميزة، لكن في الوقت نفسه عدم القطيعة مع الماضي العريق الذي صنعته جهود الآباء المؤسسين على رأسهم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان باعث النهضة الإماراتية الحديثة، ومن هنا فإن استراتيجية الحكومة الاتحادية ليست قطيعة مع الماضي وإنما تقوم على مواصلة البناء على ما أنجزه الآباء.

وفضلاً عن هذا فإن استراتيجية الحكومة الاتحادية تقدم «خارطة طريق عصرية» لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتعمل هذه الخارطة الجديدة على تحقيق أهداف صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة والمتمثلة في تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة وضمان جودة حياة عالية وكريمة للمواطنين، ومن ثم فإن استراتيجية الحكومة الاتحادية تدخل في انسجام تام مع برنامج العمل الوطني الذي أعلنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في 2005.

إن استراتيجية الحكومة الاتحادية تعي جيداً معنى الفكرة الاتحادية التي تجمع إمارات الدولة من أبوظبي إلى الفجيرة، إذ إنها تحدد الأدوار بوضوح وتتكامل فيها الجهود الاتحادية والمحلية، وتوحد وتحشد الجميع في إطار استراتيجي واضح ضمن إطار عمل مشترك محوره الأساسي المواطن الإماراتي.

وقد جاءت كل أهداف استراتيجية الحكومة الاتحادية مبنية على دراسات معمقة للتركيبة الإماراتية في ضوء المتغيرات الإقليمية والعالمية، من أجل تعزيز مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين على أرجاء المعمورة الاتحادية والمقيمين في الدولة والتركيز على المتعاملين، ووضع خطط لكافة المؤسسات الاتحادية «الوزارات» بشكل متناسق، وتوحيد الجهود وحشد الطاقات وتعزيز التعاون بين السلطات الاتحادية والمحلية، وتحديث الأطر المؤسسة، وبناء أنظمة فعالة لمتابعة أداء وتنفيذ الخطط المستقبلية.

ووضع خطة طوارئ وطنية شاملة تحدد بشكل واضح الأدوار والمسؤوليات لضمان الاستجابة الفعالة والمتناسقة لكافة المخاطر المتوقعة، وكذلك تعزيز استعداد القطاعات المساندة لقطاع الطوارئ، وتفعيل التنسيق وآليات العمل بين السلطات الاتحادية والسلطات المحلية، فالتنسيق بالغ الحيوية والأهمية لتحقيق الأداء الهارموني بين أعضاء الجسد الواحد، أعني مدن الدولة المختلفة من أبوظبي إلى الفجيرة.

كما أن التمييز بين الأدوار وضرورة توزيع المهام لا مفر منه حتى لا يحدث تضارب يؤثر بالسلب على الأداء العام، ومن ثم ينعكس على مصالح المواطن، ومن هنا فإن استراتيجية الحكومة الاتحادية كانت موفقة في رؤيتها لهذه المسألة بالغة الأهمية، حيث جعلت اختصاص الاتحاد هو التشريعات الرئيسية المنظمة للاقتصاد والتجارة والعمل والتعليم والصحة، فضلا عن عبء التطوير الجذري للمؤسسات الاتحادية،بينما أعطت السلطات المحلية مسؤولية تنفيذ العديد من الأنشطة والبرامج في ضوء اختصاصها الإقليمي.

ورغبة في تحقيق المرونة في العمل والقضاء على البيروقراطية والمركزية والارتقاء بالأداء الحكومي، أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، منح الوزارات المزيد من الاستقلالية في إدارة أعمالها، وإدراكاً من سموه لسرعة التغيرات وحركة الزمن أوضح ضرورة مراجعة وتحديث التشريعات والقوانين وتطوير قوانين الخدمة المدنية، من أجل تفعيل الدور التنظيمي ووضع السياسات الملائمة في الوزارات، وخصوصاً الخدمية منها، ولا شك أن هذا لن يتحقق من دون تحسين آليات صنع القرار ورفع كفاءة وفاعلية الأجهزة الحكومية.

إن من أهم نقاط الامتياز في استراتيجية الحكومة الاتحادية من وجهة نظرنا تركيزها على ضرورة تنمية الكوادر البشرية من خلال إلحاحها على الجدارة والاستحقاق والتوطين الفعال وتأهيل قيادات الصف الثاني. فلا معنى للحديث عن التطوير دون إعطاء الفرصة أمام القيادات الشابة، ولا أمل لأمة في التقدم وهي تعتمد على قيادات الصف الأول فقط؛ فلابد من إفساح الطريق لجهود وأفكار قيادات الصف الثاني التي تملك أفكاراً عصرية فضلاً عما تتمتع به من حماس ورغبة صادقة في المساهمة في صنع مستقبل أفضل لشعب وحكومة الاتحاد.

وقد جاءت الخطة الاستراتيجية الاتحادية شاملة للجوانب الضرورية والمجالات الحيوية التي لابد من مراعاتها في أية استراتيجية شاملة، وهي التنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، وتطوير القطاع الحكومي، والعدل والسلامة، والبنية التحتية، وتنمية الطرق النائية. وانطوت استراتيجية حكومتنا الاتحادية على رؤية واضحة من أجل القضاء على جوانب الخلل في هذه القطاعات الستة، والارتقاء بها من أجل تحقيق مصلحة المواطنين، والنهوض الشامل بكل جوانب الحياة الإماراتية.

إن الاعتراف بالحق فضيلة، والقيادة المخلصة هي التي تضع يدها على الثغرات وتعترف بها وتواجهها دون تردد، وهذا ما قام به بالفعل الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عندما قال: «نحن ندرك أن القطاعات الستة تعاني من نقص في أنشطة التخطيط الإستراتيجي، وضعف في الإطار التشريعي والقانوني والإداري، وغياب للسياسات الواضحة، تجاه كافة الأنشطة الحيوية والمهمة.

ولعل السبب في هذا يعود إلى ضخامة حجم المتغيرات وسرعة حدوثها خلال السنوات القليلة الماضية، فضلاً، عن أن دورة صنع القرار في مؤسسات أي دولة اتحادية «فيدرالية» باعتبارها مكونة من عدة أقاليم «إمارات»، تكون أطول منها في الدولة البسيطة المكونة من إقليم واحد.بل لم يكتف بهذا، حيث وجه انتقادات مباشرة لبعض الوزارات الخدمية، لا من أجل توبيخها، ولكن من أجل تنبيهها إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتصحيح الأوضاع ومراجعة الذات وتلافي جوانب القصور.

ولاشك أن موقف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يعد موقفاً شجاعاً، وليس هذا بغريب على سموه في ضوء المعروف عنه من صرامة إدارية وحنكة سياسية لا تضع في حسبانها سوى المصلحة العليا لدولة الإمارات العربية المتحدة حفظها الله وسدد خطاها على طريق التقدم والرفاهية والعدالة وللحديث بقية، حيث لا يمكن أن توفي مقالة واحدة ما في إستراتيجية الحكومة الاتحادية من عمق وشمول وبعد نظر. والله من وراء القصد.

جامعة الإمارات