تشبث إدارة الرئيس بوش، بخصوص الملف العراقي، غير مسبوق من البداية حتى اللحظة، قام على الغلط. أدى إلى كوارث وخسائر وتداعيات، ستبقى تجرجر لأمد طويل. وكان من الطبيعي أن يوقعها في ورطة مكلفة. مع كل ذلك، هي تواصل إصرارها على المكابرة وعدم التراجع.

حتى ولو باعتراف ملتو يفيد أن معالجاتها خاطئة، أزمة كان التسبب بها خطيئة. من الأساس كل العالم ـ ما عدا إدارة بوش والشريك البريطاني ـ رأى في الحرب العراقية مغامرة خطيرة ولا مشروعة. واليوم، كل العالم يرى أنه بات من المطلوب والضروري اعتماد مقاربة مختلفة للتعاطي مع الوضع المأساوي والشديد الخطورة، الذي آلت إليه هذه الحرب؛ إلا الإدارة الأميركية فهي متمسكة بموقفها، ولا يزال الرئيس بوش يتحدث عن تقدم يحصل على الأرض؛ وأن خطته الأمنية بدأت تعطي بعض ثمارها! وكأن ما يحصل ميدانيا في بغداد وغيرها، لا وزن له ولا اعتبار. أو كأنه يدور في مكان آخر.

رياح العنف الدموي لا تزال تعصف بالساحة يومياً وتحصد المئات. البيت الأبيض يرد بزيادة عدد القوات. لم يتزحزح قيد أنملة عن طرق باب الحل الأمني. أمس دخل الكونغرس، كما لم يدخل مرة، على خط التصدي لهذه السياسة. وافق على مشروع قانون يربط فيه تمويل القوات الأميركية في العراق، بتحديد جدول زمني لبدء انسحابها؛ بحيث يدخل التنفيذ في أوائل يوليو المقبل وإلا في أول أكتوبر المقبل على أبعد حد. كما يفرض وقف العمليات الميدانية لهذه القوات وحصر تواجدها في قواعد خاصة بها.

الرئيس أعلن عن عزمه لنقض القانون وممارسة حق الفيتو ضده. نائبه شن هجوماً لاذعا على الخصوم الديمقراطيين. رد زعيمهم، السناتور ريد، بهجوم مضاد وصف فيه تشيني بمفردات قاسية بل نابية؛ كما اتهم الرئيس بأنه يعيش في «حالة من النكران». ينكر ما يجري على الأرض ولا يطيق سماع كلمة فشل، التي صار أقطاب الكونغرس يرددونها من دون حرج. الحرب السياسية الدائرة اليوم في واشنطن بين إدارة بوش ومعارضيها، تزداد حدة.

الرئيس بوش بإمكانه رفض القانون ثم إسقاطه؛ لأن خصومه في الكونغرس لا يملكون أكثرية الثلثين، لفرضه عليه. غير أن ذلك لن يغير في الأمر شيئاً. فالحرب وقعت بين المراوحة والتصفية.

الرئيس بوش لم يبق له في الحكم سوى سنة ونصف أو أكثر. مع الانتخابات الرئاسية الجديدة ونتائجها، تبدأ الأمور في اتخاذ منحى آخر. في أقله انسحاب من العمليات الميدانية اليومية. فهذه نتيجة بات الوضع الداخلي الأميركي يفرضها، كائن من كان الرئيس القادم. خاصة في ضوء الموقف الاقتحامي الذي يتخذه الكونغرس حالياً. وفي ذلك رسالة واضحة إلى الجانب العراقي. بالأحرى فيه رمي للكرة، من اليوم، في ملعبه.

الوقت لا يزال يسمح لترتيب البيت العراقي، استعداداً للتعامل مع الواقع الجديد المقبل لكنه ـ أي الوقت ـ لا يسمح باستمرار المراوحة والتأجيل. ولا حاجة للتكرار بأن المصالحة الوطنية هي البوابة التي لا يتوفر العبور إلى تعويم البلد إلا من خلالها. كل خيار آخر محكوم بالعدمية؛ تماما كما كانت ومازالت خيارات إدارة بوش ومكابراتها هي التي أوصلت الأوضاع إلى الجحيم الراهن..