«إذا ما حالفني الحظ في انتخابات رئاسة الجمهورية، فإنني أطمح بأن أوفر لكل طفل وُلد على هذه الأرض ما وفرته لأبنائي».هذا ما قالته أم لأربعة أطفال اسمها سيجولين روايال، وهي مرشحة الحزب الاشتراكي التي جاء مركزها الثاني في الجولة الأولى في سباق الرئاسة الفرنسية.

ولعل ما قالته روايال يعكس توجهها الاشتراكي الداعي إلى المحافظة على نظام «دولة الرفاه»، ذلك النظام الذي تتكفل فيه الدولة تقديم خدمات أساسية شبه مجانية لمواطنيها، بل وفي كثير من الأحيان للمقيمين على أراضيها. وهي أيضاً تعكس، طبيعة البرامج الانتخابية الحالية التي لم تخرج عن تناول الشأن العام الداخلي لفرنسا.

بيد أن الشأن العام الفرنسي في بعض أبعاده يتخطى حدود تلك الدولة ليؤثر في محيط كبير تحديداً دول المغرب العربي. فقضية الهجرة والتعامل معهم ومسألة اندماج هؤلاء الذين يحصون بالملايين ( خمسة ملايين تقريباً ) في الثقافة الفرنسية، هي من المشكلات الأساسية المطروحة في هذه الانتخابات بحدة، والتي تمركز برامج بعض المرشحين عليها مثل اليميني جان ماري لوبان. وهذه الانتخابات وإن تمحورت حول الشأن الداخلي كما قلنا، فإن لها صدى في الشارع العربي لما تميزت به فرنسا في السنوات الأخيرة من مواقف بشأن العديد من القضايا العربية وعلى رأسها التعامل مع السلطة الوطنية ودعوتها لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

والانتخابات الفرنسية عادة ما تجرى على مرحلتين، حيث يكون من المستحيل على أحد المرشحين الحصول على أكثر من نصف الأصوات، مهما كانت عظمة المرشح. هذا ما حصل مع المرشح شارل ديغول، صانع فرنسا المعاصرة في انتخابات 1965 حيث نافسه فيها فرانسوا ميتران، ولم يفز ديغول على ميتران الشاب آنئذ إلا في الجولة الثانية.

وتنافس على هذه الانتخابات عشرة مرشحين، أربعة من بينهم حظوا بأهمية ومنهم: فرانسو بايرو مرشح الوسط، وقد حصل على أكثر من 18 بالمئة من أصوات الناخبين (سبعة ملايين صوت تقريباً). وبايرو أصبح بهذا «صانع الملوك»، إذ إنه سيحدد من سينجح من المرشحين بتجييره أصواته لأحدهم. وجاء بعده في المركز الرابع في انتخابات الجولة الأولي اليميني جان ماري لوبان بأكثر من 11 بالمئة من أصوات الناخبين. إلى جانب هؤلاء ترشح عضو عن الحزب الشيوعي الثوري (تروتسكي) وناشط مناهض للعولمة ومرشحان عن الخضر واثنان من القوميين التابعين للجناح اليميني.

وحظيت سيجولين روايال بالمركز الثاني بأكثر من 25 بالمئة من الأصوات. وسيجو كما تلقب البالغة من العمر 53 عاماً من مواليد دكار عاصمة السنغال لأب من القادة العسكريين ذوي النزعة التقليدية المحافظة. وقد دفعتها نظرة أبيها الشيفونية إلى تبني النزعة النسوية والدفاع عن المرأة. وإلى كونها عضواً في قيادة الحزب الاشتراكي، فإن سيجولين روايال عضو في الجمعية الوطنية الفرنسية منذ العام 1988. وتعتبر سيجو تلميذة مخلصة لزعيم الحزب الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران، ويظهرها الإعلام «كأم فرنسا الحنونة».

أما أقوى المرشحين للرئاسة الذي حصد أكثر من 30 بالمئة من أصوات الناخبين في الجولة الأولى فهو نيكولاس ساركوزي البالغ من العمر 52 عاماً وهو مرشح يمين الوسط، الذي بفوزه سينتهي تراث الديغولية في الحياة السياسية الفرنسية. وتصور وسائل الإعلام ساركوزي بأنه «رجل فرنسا القوي» الذي لم يتورع حينما كان وزيراً للداخلية بنعت المشاركين بأعمال الشغب في الضواحي التي يسكنها المهاجرون بأنهم «حثالة»!

ومن المفارقات أن يصدر مثل هذا القول من ساركوزي، وهو ذاته ابن لمهاجر ارستقراطي من هنغاريا. بيد أن ساركوزي يفتخر بأنه اندمج بالمجتمع الفرنسي وتشرب ثقافته لدرجة أنه ظل يحلم مدة ثلاثين عاماً كي يكون رئيساً لجمهوريته. وهو يدعو الشباب المهاجر إلى نبذ ثقافته الأصلية وتبني الثقافة الفرنسية.

وإذا كانت سيجولين تنوي المحافظة على مستوى الخدمات الاجتماعية التي يحظى به المواطنون الفرنسيون، بل وتطويرها دون رفع الضرائب ـ كما تقول ـ فإن ساركوزي يريد «دفع الاقتصاد الفرنسي المتلكئ بتخفيض الضرائب وجذب الاستثمارات الخارجية، وتعديل قانون العمل بجعله أكثر مرونة في إنهاء خدمات العاملين.

وأيضاً بمحاربة الجريمة التي يقف منها موقفاً متشدداً. بيد أنه غير مندفع لإلغاء الحماية الجمركية مسايرة للعولمة ودعوتها إلى حرية التجارة دون قيود. وهو موقف محل اتفاق بين المرشحين، كما يقول شارلز كوبشان، من كبار خبراء الشؤون الأوروبية في لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأميركي ( نيويورك تايمز 17/4 ). ولا شك أن لساركوزي نظرة مختلفة لقضية الهجرة عن تلك التي تحملها سيجولين.

وكلا المرشحين يستثيران العواطف القومية وإذكاء النزعة الوطنية لدى الناخبين الفرنسيين، فساركوزي يريد حل مسألة المهاجرين بالتركيز على الاندماج في الثقافة القومية وفي المحافظة على الهوية المميزة للأمة الفرنسية، أما سيجولين روايال فإنها تذكر ناخبيها بإرث الثورة الفرنسية، فهي ـ كما تقول الجارديان 23/4 ـ تصور نفسها كما لو أنها جان دارك هذه الأيام، وهي تدعو المواطنين إلي رفع علم فرنسا وإنشاد المارسيلزيه ( نشيد الثورة الفرنسية ).

إن كثافة المشاركة في انتخابات الجولة الأولى، التي فاقت الخمس وثمانين بالمئة من الذين يحق لهم الإدلاء بأصواتهم، وهي الأعلى منذ أكثر من خمسين عاماً - كما تنقل البي بي سي 22/4 ـ هذه النسبة العالية تدل على وعي المواطن الفرنسي بأهمية هذه الانتخابات، إذ إنها ستكون «تغييراً في الجيل السياسي، وربما يصحب ذلك تغيير في أولويات فرنسا الخارجية، مما يجعل هذه الانتخابات مهمة حتى لمن هم خارج البلاد» بحسب مراسل تلك الوكالة جونوثون ماركوس.

وتتميز هذه الانتخابات أيضاً بالعدد الهائل الذي تم تسجيله في سجلات الناخبين، حيث تخطى عددهم المليون، أغلبيتهم من الشباب أو من مواطنين فرنسيين يقيمون خارج فرنسا. ولأول مرة في هذه الانتخابات صوّت حوالي المليون ونصف ناخب إلكترونياً مما أثار جدلاً في أوساط مختلفة حول التأكد من سلامة مثل هذا التصويت. وهذه الانتخابات أيضاً يعود فيها الاستقطاب بين اليسار واليمين، وهي فوق هذا وذاك تتميز بأنها الانتخابات الأولى التي تتنافس فيها امرأة على كرسي الرئاسة.

وسيحاول المرشحان نيكولاس ساركوزي وسيجولين روايال، اللذان سيدخلان قريباً في مناظرة تلفزيونية أن يستقطبا أصوات الناخبين الذين ذهبت أصواتهم لمرشح اليمين المتطرف أو تلك التي حصل عليها مرشح الوسط فضلاً عن أولئك الذين لم يشاركوا في انتخابات الجولة الأولى. وسيكون على الناخبين الفرنسيين الاختيار بين ساركو الصارم وسيجو الحنونة.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com