لن يكون نبأ ساراً للعرب إذا صار نيكولا ساركوزي ـ كما هو متوقع ـ رئيساً لفرنسا. ليس فقط لأنه من أصل يهودي وإنما لأنه سيكون «توني بلير» آخر: زعيم يقود دولة أوروبية كبرى على طريق التبعية الكاملة للولايات المتحدة.
خلال عقد الستينات من القرن الماضي ظهرت المؤشرات المبكرة التي كانت تنبئ بأن بريطانيا تخطو خطواتها الأولى على طريق التحول من حليف متكافئ للولايات المتحدة إلى تابع لها، آنذاك اتخذ رئيس فرنسا الجنرال شارل ديغول مواقف معارضة صارمة ضد دخول بريطانيا عضوية «السوق الأوروبية المشتركة» ـ الائتلاف الاقتصادي الذي كان نواة «الاتحاد الأوروبي» ـ قائلاً بصراحته المعهودة إن بريطانيا لو سمح لها بالعضوية ستكون «حصاناً طروادياً أميركياً» داخل أوروبا.
منذ ذلك الحين وبريطانيا تسير بالتدرج على طريق التبعية لواشنطن إلى أن صارت في عهد توني بلير وكأنها مقاطعة أميركية يتحرك حاكمها بموجب توجيهات من الرئيس الأميركي.
الآن يبدو أن نيكولا ساركوزي يعتزم إذا أصبح رئيساً قيادة فرنسا على طريق بريطانيا الذي ينتهي إلى واشنطن. هذا على الأقل ما يمكن أن يستخلص من كتاب لساركوزي نفسه نشره بالإنجليزية قبل أسابيع في الانتخابات الرئاسية الفرنسية بعنوان «شهادة»، الخط العام للكتاب هو تمجيد لأميركا وإعجاب بها. وبينما يصف أميركا بأنها «أعظم ديمقراطية في العالم» فإنه يقول بصراحة: «لو كن لي أن اختار فإنني أشعر بأنني أقرب إلى المجتمع الأميركي من أي من المجتمعات العديدة الأخرى في العالم».
ولو كان ديغول على قيد الحياة لضرب كفاً بكف عجباً واشمئزازاً. وفي حقيقة الأمر فإن رؤساء فرنسا المتعاقبين من ديغول إلى شيراك كانوا بدرجات متفاوتة يحتفظون لفرنسا بمسافة استقلالية عن الولايات المتحدة انطلاقاً من وحدانية المصالح الوطنية الفرنسية العليا وأحدث مثال هو بالطبع القرار الفرنسي برفض الغزو الأميركي للعراق جملة وتفصيلاً.
ولكن الآن إذا استطاع ساركوزي أن يفوز بمنصب رئيس الجمهورية كما تشير التوقعات فإن فرنسا قد تدخل عهداً مختلفاً. فالمرشح الرئاسي ساركوزي يدعو في كتابه إلى «بداية جديدة» للعلاقات الفرنسية الأميركية. وفي هذا السياق يردف معلناً أنه يشعر بأنه «أقرب إلى إسرائيل» من أي زعيم فرنسي سابق. ثم إنه يعلن رفضه لاستبعاد أي خيار في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني بما يعكس تأييده الضمني للخيار العسكري.
ومن ناحية أخرى يؤيد ساركوزي الجانب الاقتصادي للنموذج البريطاني الذي يحمل عنوان «التحول إلى اقتصاد السوق الحر». ووفقاً لهذا المبدأ ظلت الحكومات البريطانية المتعاقبة حتى عهد بلير الحالي تطبق سياسة إضعاف هيمنة الدولة على الاقتصاد الوطني عن طريق خصخصة شركات ومؤسسات القطاع العام في المجالات الإنتاجية والخدمية، لكي يستولى عليها رأس المال الأميركي، وتتضمن هذه السياسة أيضاً تخفيض الضرائب على الشركات الخاصة مع رفع الضرائب المفروضة عن الطبقة العاملة.
هذه هي السياسة التي يعتزم ساركوزي تطبيقها في فرنسا إذا آلت السلطة إلى يديه ليفتح أبواب الاقتصاد الوطني الفرنسي لسيطرة كبرى الشركات الأميركية، وبطبيعة الحال فإن مثل هذه السيطرة الاقتصادية لرأس المال الأميركي ستنعكس سلباً على استقلالية السياسة الخارجية الفرنسية.هذا هو حلم ساركوزي الذي سيتحول إلى حقيقة إذا قدر له أن يصل إلى قصر الإليزيه.