هل يكون غزو العراق آخر حروب أميركا أم أن استثمار الحروب يبقى مقيداً بظروفها وساعات إعلانها، وأهداف مكاسبها لدول عظمى، تجد في مناخات العالم سبباً لخلق الادعاء بتهديد أمنها وفرض القانون أو مكافحة جهات التطرف، وفرض الديمقراطية إلى آخر التعليلات والأسباب؟.
"خطوة إلى الأمام، وخطوتان للوراء" كان أحد منطلقات لينين في ثورته، ولكنه لم يتقدم إلى الأمام إلا لمرحلة بعدها تسارعت خطوات التراجع للخلف لتموت آخر الامبراطوريات التي حكمتها فلسفة ادعت المثالية، لأسوأ تنفيذ للحكم والسلطة في دكتاتورية الحزب، المتكلم بالنيابة باسم الإنسان، والمفوض عنه في التفكير، وإنفاذ الأوامر.
أميركا لا تحكمها دكتاتورية حزب، لكنها محكومة بطبقة مهيمنة واجهاتها في البيت الأبيض والبنتاغون، تتحرك من خلال جبهة سرية تحرك آليات الاقتصاد بوسائل الحروب وغيرها، ولذلك لم نجد في من حكموا أمريكا طيلة تاريخها من هم بعمق ثقافة تشرشل، أو ستالين، أو ديغول، لكن مصادر القوة لأكبر امبراطورية مالية وتقنية، وعسكرية جعلت أصحاب الرساميل العليا هم من يديرون آلات العمل السياسي والعسكري وفق نظام مركب، ويفرضون الشخصيات حتى ولو كانت بأنصاف متعلمين ومثقفين، وهذا ما سبق أن حيّر رؤساء وزارات ومفكرين أوروبيين وعالميين إزاء الظاهرة الأميركية التي يديرها أشخاص غير مؤهلين..
مثلاً هل يمكن لدولة عظمى تهيمن على الفضاء ومراكز القوة في الكوكب الأرضي، وتملك مقومات لم تحدث لأي امبراطورية في التاريخ أن تقوم بخلق حروب خاسرة لها في كوريا، وفيتنام، والعراق وأفغانستان، وهناك رعود وبروق تحيط بإيران ربما بضربة حادة كإعلان حرب من قبل أميركا، ومراكز جمع المعلومات والبحوث الناجحة في مختلف العلوم، تعجز عن فهم طبيعة كل شعب ورد فعله على أي احتلال أو حرب عشوائية؟.
ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون قتيلاً أميركياً في العراق، وهذه الثلاثيات المركبة ستلحقها أرقام أخرى، لكن الكارثة على العراق أكبر من أي رقم آخر حين يصل عدد المهجّرين إلى ما يتجاوز أربعة ملايين وعدد القتلى والمرضى ربما يصل إلى رقم غير عادي، ومن خلال مقاومة ما يصل إلى عشرة في المائة من الشعب العراقي، لأن البقية إما تعيش على الأمن الأميركي، أو الحياد، أو البعد الجغرافي الفاصل عن بغداد والمدن القريبة أو المحيطة بها، ومع تصاعد هذه الأرقام مع الاستنزاف المادي والمشاعر التي تتضاعف كراهيتها لأميركا، نجد أن النجاح العلمي والاقتصادي ومعهما القوة العسكرية الضاربة ليست أدوات ناجحة في فتح ميادين للاحتلال، وترسيم الحدود ورسم الخرائط.
"الفوضى الخلاقة، والحروب الناعمة، والشرق الأوسط الكبير" مصطلحات تحاول أميركا تمرير أهدافها لكن التسميات ليست مطابقة للفعل بدليل أن من بشروا بصراع الحضارات والثقافات واستخرجوا من التاريخ تطبيقات قديمة، هجروا هذه الأفكار للتعويض عنها بالعولمة التي لم يعلم أحد مدى تطابقها مع الواقع الإنساني، ومع ذلك هل يتحول العراق إلى خلق مُعادل آخر ليس فقط للإطار السياسي الذي يعمم الفوضى الأميركية، وإنما لعقلنتها وإعادتها إلى المحور الإنساني قبل السباحة في الفراغ والجري خلف السراب؟.