حسم الاتحاد الأوروبي مسألة مناقشة عضوية وانضمام تركيا وأرجأ ذلك حتى عام 2019، وبذلك يتم تعليق المسألة حتى تلك الفترة وينظر للأمور عن كثب على مدى تنفيذ تركيا برنامجها بمعيار وشروط العضوية، حيث هناك قضايا متشعبة في هذا الملف لوحده بعضها داخلي له علاقة بمستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والنظم الإدارية والسياسية والحقوقية في تركيا.
والتي ترتبط بمسألة حقوق الإنسان والديمقراطية ومن ضمنها المسألة القبرصية على أساس احتلال تركيا لعضو في ذلك النادي، وبذلك التأجيل أصيبت نخب واسعة وعلمانية بخيبة الأمل، فقد رأى العلمانيون والعسكر أن الحكومة التي ترأسها أردوغان دمغت بشكل واضح تلك الهوية لكون الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء حزباً إسلامياً وان ادعى انه معتدل وأبدى ليونة ومرونة في تعامله مع الاتحاد الأوروبي.
ولكن حقائق الأمور في الداخل لم تكن بتلك البساطة، وبذلك أرجع العلمانيون وفي مقدمتهم الجنرالات أن أحد عوامل الإخفاق والتأجيل هيمنة الإسلاميين على البرلمان والحكومة وان قراءة الاتحاد الأوروبي لحكومة أردوغان لم تكن كل مؤشراتها ايجابية فيما عدا النمو الاقتصادي الذي كان مهندسه في برامج الحزب وزير الخارجية عبدالله غول.
ويشكل ملف الأكراد كارثة كبيرة على الحكومة التركية مهما تغيرت وتقلبت أنماط الحكومات وأحزابها فجميعهم يجمعهم موقف مشترك في المسألة الكردية وهو الارتباط بموقف قومي متشدد إزاء المسألة الكردية، فهناك جذور عميقة مترسخة تعود للكمالية، لهذا يلتقي الإسلاميون والقوميون، العسكر والمدنيون بأطيافهم في رفضهم لحق الأكراد في الحكم الذاتي أو الانفصال، وهو ما يتناقض مع رؤية الاتحاد الأوروبي ودستوره في حق الأقليات في التعبير عن حقوقها وثقافتها ومصيرها في الاختيار.
لهذا لم ير الأوروبيون لحلحة جدية في ذلك الملف تقنعهم بتغيرات مواقف حكومة أردوغان التي وعدتهم بالكثير، وقد كان واضحاً تناقض حكومة أردوغان التي بالرغم من أمميتها الإسلامية لم تر من بعدها القومي حق أخوتهم في الإسلام في نيل حريتهم، بل ودخلت الحكومة في منزلقات سياسية في الطرح، ففي الوقت الذي تدعي أنها تدافع عن كركوك بحجة حقوق مئة ألف تركي ومن الأفضل بقاء المدينة متنوعة في تركيبتها وجزء من الجمهورية العراقية نراها في واقع تركيا تحرم 15 مليون كردي من حق المصير.
بل ولا تخفي قلقها بكل جلاء بأن امتلاك حكومة كردستان العراق الجديدة منطقة نفطية مثل كركوك يعزز من فكرة الانفصال في العراق مما يشجع أكراد تركيا مستقبلاً في الإعلان عن رغبتهم في الانفصال عن تركيا، بينما الحقيقة أبعد من ذلك، فبمجرد تحكم دولة كردية في شمال العراق بالنفط فان الواقع الاستراتيجي لتلك الطاقة يجعل عنق أي حكومة تركية مرهون بضغوط تلك الدولة حالما دخلتا في مشكلات جيوبولتيكية وفي مقدمتها المسألة القومية الكردية على ضفاف الجانبين.
وقد عكس أردوغان سخطه مؤخراً في جانبين هو تعامله مع خطاب مسعود برزاني العنيف مما دفعه أن يرد بقوة، خاصة وان هياج الشارع التركي وتظاهراته يجعله أيضاً يعكس تلك النزعة القومية الغيورة على مصالح تركيا والكمالية، والجانب الآخر رده على موقف الولايات المتحدة المتقلب متهماً واشنطن حيال حزب العمال الكردستاني وحليفتها حكومة العراق بتسهيل مهمات وتنقلات الحزب وبتعبير أنقرة، أن شمال العراق بات مرتعاً لحزب العمال ويتسللون إلى تركيا بأسلحة أميركية وقد تمتع مسلحوه بحرية الحركة وسهولة الحصول على الأسلحة والمتفجرات، ووفق جريدة، «صباح» التركية التي نقلت قول أردوغان، كنا نأمل أن نتعاون مع الولايات المتحدة والعراق لمحاربة هذه المنظمة الإرهابية، ولكن أي من هذا لم يحصل وقد تعللت واشنطن وبغداد بصعوبة التعامل مع حزب العمال في وقت تنشغلان فيه بمحاربة العنف في العراق.
ومع انتهاء الهدنة واستئناف، حزب العمال الكردستاني، نشاطاته العسكرية يصبح ملف الأكراد مجدداً الرافعة لتوحيد السلطة المدنية الجديدة والعسكر في أهم مبادئ الكمالية منذ تأسيسها وان بدا لنا ظاهر الموضوع تحركه القضية الكردية في الداخل كقضية مركزية، فان ما يفصل أيضاً بين تلك التيارات في الموزاييك التركي الصراع الجوهري بين تيارين متناقضين هما الموازنة بين ثقافة وجذور إسلامية بهويتها الرسمية العلمانية بكل محدداتها والتي تعود للأب المؤسس كمال أتاتورك.
ويصبح ثنائية الصراع في هذه الأيام محتدماً في التظاهرات الواسعة ضد أردوغان في أنقرة والقلق من نموذج سيطرة حزب التنمية وأسلمة النظام والدولة، بعد إعلان أردوغان ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية وسيكون الإعلان النهائي للمؤتمر في 24 ابريل.
مما يعني أن هناك طبخة يعدها حزب العدالة والتنمية، بحيث يصبح رئيس الجمهورية والوزراء من الحزب نفسه مما يجعل القرارات العليا بمصير تلك القوة الإسلامية التي تقّنعت حسب وجهة نظر العلمانيين بالمرونة والاعتدال، وإذا ما عرفنا أن الرئيس بات من الحزب وبتملك حكومة أردوغان الأغلبية في البرلمان فان مهمات وإمكانية السيطرة قائمة بل وتخشى المؤسسة العسكرية.
بل ولأول مرة في تاريخها تجزع من هذا الوضع إذ يحق للرئيس بصفته القائد الأعلى للجيش وفق الدستور التركي فعل ما يشاء بتلك المؤسسة بما فيها تقليص نفوذها المؤسساتي والسياسي، وتقليم أظافرها ـ إن لم يهمش دورها بالتدريج بحجة رغبة الاتحاد الأوروبي، مما دفع العسكر للتحرك بقوة مع كل التيارات بهدف الحفاظ على تاريخ الكمالية، الذي رسّخ المبادئ الثلاثة لتركيا الحديثة عام 1923 وهما القومية والحداثة خاصة في التعليم والأبجدية التركية وبذلك ينمذج تركيا الحديثة نحو الأوروبة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية. ترى لماذا استبدل حزب التنمية رغبة أردوغان في الرئاسة وقدوم رئيس وزراء جديد من الحزب؟
حيث كانت جميع الأوساط السياسية تدرك تلك اللعبة الثنائية لمهندسي حزب التنمية، ربما يكون للتظاهرات تأثيرها نسبياً، كما رأى المؤتمر إن غول أكثر قبولاً داخلياً وخارجياً من أردوغان، فتوافق الجميع على أن تظل السلطة المدنية القادمة داخل الحزب، وبذلك يسيطر على ثلاثة مواقع مهمة الرئاسة والحكومة والأغلبية البرلمانية ما يجعل تركيا مستقبلاً في مواجهة صعبة بين سلطتين.
حيث يهيمن الجنرالات على المؤسسة الأمنية والعسكرية وينفرد حزب التنمية بالسلطة المدنية. فهل نشهد ثنائية توافقية يكون وسيطها البيت الأبيض لتقدم تركيا نفسها كنموذج ماليزي للعالم الإسلامي والإسلام المعتدل بدلاً عن خط التشدد للجار الإيراني وقوة توازن إقليمي في المنطقة.
كاتب بحريني