أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي استراتيجية عمل حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد حظيت هذه الإطلاقة بمباركة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، كما لقيت هذه الإستراتيجية التي أطلق عليها تسمية إستراتيجية التمكين لما لها من انطلاقات نحو اتجاهات متعددة تمثل في حقيقتها تحديات وهناك تصميم كبير على مواجهة هذه التحديات وتجاوزها باتجاه أداء حكومي عالي المستوى من أجل دولة نموذجية من كافة المعايير الدولية والعالمية.

وفي رأينا أن هذه الإستراتيجية لا تمثل إستراتيجية التمكين فقط بل إنها إستراتيجية التحدي والإصرار ولإثبات الذات والذي تريد أن تدلي بمضمونها أن هذه الدولة ستغدو مضرب مثل للآخرين وستكون في أداء رجالها قيادة وحكومة وشعباً مثار إعجاب ومحطات يتوقف عندها المهتمون وهذه المخططات في حقيقتها ستكون دروساً تدرس في الجامعات عن كيفية بناء دولة نموذجية فيها مواصفات العالمية بكل المقاييس دولة استطاعت التمازج بين قراراتها وأصولها العربية والإسلامية والنظرة الحديثة في بنائها، دولة استطاعت بناء قاعدتها ذاتياً بالصبر والتدرج والهمة والكفاح من أجل العلا، دولة وضعت أسساً على أن تكون الأولى عالمياً أو ستكون الأولى عالمياً في مجالات كثيرة.

القيادة الرشيدة لم تبن إستراتيجيتها للعمل الحكومي من لا شيء، ولا أن الإعلان عن تلك الإستراتيجية جاء لأجل الاستهلاك الإعلامي أو التباهي بما تم إنجازه بل إن إطلاق هذه الإستراتيجية جاء بعد عمل مضن وإصرار على مواجهة التحديات والخوض في بناء البنى التحتية التي تستطيع تحمل تلك الإستراتيجية ذات العيار الثقيل، وهذه الخطة إنما استوجبت لإعدادها وإقرارها بناء شعب واع متعلم وقيادات إدارية مواطنة وموظفين يملكون الخبرة والهمة على الإنجاز مع توافر عوامل أخرى، كل هذه العناصر أدت إلى ولادة الإستراتيجية والتي سيكتب التاريخ ويشير إليها على أنها انطلاقة جديدة من انطلاقات القيادة الرشيدة بدولة الإمارات العربية المتحدة للسير في الدولة والشعب نحو العلا والرقي.

إن الإنجازات العملاقة والمتعددة التي تحققت لدولة الإمارات العربية المتحدة إنما كانت هي السبب الرئيسي لبزوغ هذه الإستراتيجية التي جاءت لتتعاطى مع هذه الإنجازات وتحافظ عليها بل لكي تقفز بها ومن خلالها إلى إنجازات أكبر وأكثر وفي جميع الجوانب وبذلك لم يكن الإعلان عن هذه الإستراتيجية في هذا الوقت وليد صدفة وإنما أتت في وقتها المناسب لتساند العمل الوطني الجاد في ترسيخ الاتحاد والعمل تعزيز المسيرة وتعميم الإنجازات على كافة الإمارات بما يؤمن فكرة التكامل الاقتصادي والاجتماعي فهي رسالة تجسيد لوحدة الأرض والشعب فتكون هذه الإستراتيجية هي الدعوة الحقيقية لتوحيد الجهود وحشد الطاقات من أجل بناء دولة قوية بكل المعايير.

من المعروف أن حكومات الدول تريد الوصول بدولها وشعبها إلى مستوى معاشي ومعيشي مقبول والى مستوى اقتصادي واجتماعي يكون درعها ومستقبلها يصاحبه استقرار الأمن والسياسة وأن تلك الحكومات تعمل ما في وسعها من أجل تحقيق الحد الأدنى من تلك المتطلبات والتي تعتبر من مقومات الدولة، غير أن الوضع في دولة الإمارات العربية المتحدة مختلف فإن قيادتها لم ترتض بما هو عليه الوضع العام والخدمات المقدمة للشعب رغم أن تلك الخدمات تعتبر نموذجية وعالية المستوى لدول كثيرة من العالم غير أن القيادة تنظر إلى مستقبل أكثر إشراقا وتريد تحقيق أهداف قد تكون في نظر الآخرين حلماً صعب الوصول إليه. وبهذا المآل جاءت الإستراتيجية لترسيم الطريق المعبد للسير فيه بيسر ولتقدم من خلاله أفضل الخدمات إلى المواطن واستغلال كل ما هو مفيد للدولة والشعب وتطويع الظروف الحالية من أجل المستقبل الذي سيكون أفضل من الوقت الحالي بكثير.

إن القيادة الرشيدة عندما أطلقت الإستراتيجية للعمل الحكومي إنما أطلقتها على أساس دراسة كاملة بقاعدتها وقياداتها الإدارية ووضعت على أكتافهم مسؤولية وطنية كبيرة يضطلعون بها أمام بلدهم وشعبهم، وأن هذه المسؤوليات قد شملت كافة قطاعات الحياة الثقافية والتعليمية والصحية والبيئية والإسكان والتوطين والأمن والعدل، فهي مسؤوليات تصب في قطاعات حيوية تعتبر من أهم المتطلبات الواجب توفيرها للشعب، وكذلك أن وجودها وحسن إدارتها وتقديمها للشعب هي مسؤولية وطنية ملقاة على عاتق الحكومة التي انطلقت بإستراتيجيتها من منطلق التضامن بالمسؤولية بين القيادات العليا للحكومة وبين القيادات الإدارية الدنيا والقواعد الإدارية الأخرى وهذه المسؤولية تجعل من الموظف يتحسس المسؤولية قبل قيادته العليا وقبل شعبه التي هو جزء منه.

ورغم ذلك فإن القيادة العليا لم تلق بهذه المسؤولية على قياداتها الإدارية وقاعدتها إلا بعد أن وصلت بهم إلى مرحلة عالية من الإعداد والتدريب والتزود بالخبرة اللازمة لمواجهة كل الظروف ولكي يكونوا مهيئين لمثل هذا الإعلان الاستراتيجي ويكونوا القاعدة القوية والمتينة التي يمكن الانطلاق منها لتحقيق الأهداف المرسومة من خلال الإستراتيجية.

إستراتيجية التمكين.. هي إستراتيجية الإنسان المواطن، هذه الإستراتيجية التي وجدت وأطلقت من أجل تفعيل دور المواطن في مجتمعه وشده بقوة نحو الوطن وإعطائه المسؤولية التي تؤهله إلى التطور المستمر وبالنتيجة إن هذه الإستراتيجية ستحقق الحياة الكريمة لمواطني الدولة مع فتح آفاق جديدة أمامهم في التعليم والبناء المجتمعي وتقوية الأواصر فيما بينهم من خلال التثقيف والتشجيع وحشد الطاقات والاستفادة من الثروة البشرية في خدمة الشعب والدولة وقيادة إدارتها بكل تقنية ومهنية عالية.

وفي عودة إلى إطلاق الإستراتيجية فهناك محللون وكتاب قالوا ان حكومة دولة الإمارات هي أول حكومة تقوم بوضع رؤيتها لسنوات مقبلة، ونرد عليهم أن هذه الإستراتيجية إنما تعتبر الأولى من نوعها إن لم نقل في العالم فإنها الأولى في المنطقة والشرق الأوسط. والأكثر من ذلك أن هناك اطمئنانا وهناك بصمة الواثق من خطواته جميعها تؤكد أن هذه الرؤية الإستراتيجية ستجد طريقها في التطبيق لوجود البنية التحتية القوية والمتينة ولوجود الإصرار لمواجهة التحديات والهمة في الانتقال بواقع الخدمات الحكومية وأدائها نحو الأفضل دائما من أجل رقي المجتمع ورفعة الدولة.

كلية القانون ـ جامعة الشارقة

ea.bibahsnib@bibahs.dihsar