يحتدم الجدل حول جدار الأعظمية. ويبدو أنه مرشح ليكون نقطة تحول تنذر بالأعظم. سيرته تفاعلت بدرجة ساخنة سياسياً وشعبياً وإعلامياً. تباينت حوله المواقف والردود الرسمية العراقية والأميركية. بدت وكأنها على قدر ملحوظ من الارتباك ومن الخلاف. أو أنها مزيج من الاثنين. ولا تفسير لذلك سوى أن الغاية من الجدار تضمر غير ما تفصح عنه وتبطن ما لا تعلن عنه. أو على الأقل أن الارتياب كبير بالوظيفة الفعلية المرجوة من هذا التطور الميداني؛ الذي تغلب فيه الطبيعة السياسية ـ الملغومة ـ على الطبيعة الأمنية.
وأكثر ما يعزز هذا الاعتقاد هو أن الشارع ـ أهالي الأعظمية ـ الذي زعموا أن الجدار الفاصل أقيم لحمايته؛ لم يوافق على إقامته. المظاهرة الشعبية التي شهدتها تلك المنطقة من العاصمة العراقية، أول أمس، تنطق ليس برفض هذا الحاجز فحسب، بل أيضاً بإدانته والمطالبة بإزالته فوراً. لافتات المتظاهرين قالتها صراحة «الجدار سجن كبير لأهالي الأعظمية». أخرى تصرخ: لا لجدار العزل الطائفي».
الملفت كان في التضارب بين ردود المسؤولين. رئيس الحكومة نوري المالكي، دعا إلى وقف بناء الجدار. قال إنه عارض المشروع لأن هناك طرقاً أخرى لحماية المواطنين. ولذلك كشف عن أنه أصدر الأوامر بالتراجع عنه. فهو «يذكرنا بحوائط أخرى»، كما قال. لكن بعد ساعات أعلن المتحدث العراقي باسم الخطة الأمنية أن البناء مستمر وأن عدداً آخر من مناطق العاصمة سوف يشملها بناء الحواجز والجدران. ووضع الملامة في الضجة التي أثارها الجدار، على ما سماه ب«التضخيمات الإعلامية».
السفير الأميركي في بغداد، كان رد فعله ان بلاده سوف تحترم دعوة رئيس الحكومة المالكي، لوقف البناء. لكن قيادات عسكرية أميركية سارعت إلى إبداء تحفظها حيال طلب المالكي، وأكدت على ضرورة «مواصلة الحوار» حول المسألة. بتعبير آخر، إن البناء حالياً متواصل وقد أسهبت في شرح الدواعي من تشييده؛ وعلى رأسها أنه «يهدف إلى منع المقاتلين الشيعة من القيام بعمليات ترمي إلى حمل السكان السنّة على النزوح. ردّ أهل الأعظمية الذين تظاهروا اعتراضاً ينسف هذا الزعم.
بل هو يبرر المخاوف وطرح علامات الاستفهام، إزاء الإصرار على الاستمرار بهذا الإجراء. خاصة وأن هناك «عشرة قواطع» أخرى في بغداد، تقرر إقامة حوائط مماثلة فيها. فكيف ستبدو العاصمة عندما يكتمل مشروع القواطع ـ أم التقطيع؟ ـ كلها؟
ويأتي هذا التطور عشية مؤتمر شرم الشيخ بخصوص العراق. انعقاده بنصاب كامل لا يزال غير مؤكد. وقد يكون جدار الأعظمية واحداً من العوامل والاعتبارات التي قد تخرّب عليه، بصورة أو بأخرى. فالمسألة أكثر وأبعد من حائط فاصل لمنع التسلل وحماية سكان بغداد. السلم في بغداد كما في العراق، لا يأتي به الفصل بين المتقاتلين. قد يؤدي الفصل إلى وقف إطلاق نار أو ما يشبه. لكن السلام بحاجة إلى توافق وتلاق وطني عريض، من البداية كان ذلك هو المدخل الوحيد. ولا يزال هو الخيار الأوحد.