يوم الخميس الماضي (19 أبريل 2007) تسلم رئيس الجمهورية المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله منصب الرئاسة من سلفه الرئيس الموريتاني علي ولد محمد فال، بعد اكتمال المرحلة الانتقالية التي قادها «المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية» برئاسة ولد محمد فال منذ 3 أغسطس 2005.
الرئيس (السابق)، في آخر نشاط رسمي له كرئيس للدولة، خرج في موكب رسمي من قصر المؤتمرات حيث جرى حفل التنصيب إلى المطار برفقة خليفته لتوديع أحد الرؤساء الضيوف، وبعد التوديع استقل سيارته إلى منزله الخاص يرافقه حارس شخصي من الحرس الوطني، وليس من كتيبة أمن الرئاسة، بصفته «رئيسا سابقا».
وما كاد علي ولد محمد فال يصل إلى منزله حتى بدأ المواطنون الموريتانيون من مختلف الأعمار والشرائح يتوافدون عليه للتحية، وقد اصطحب الكثير منهم ذبائح ونحروا النحائر أمام المنزل، ومعظمهم لم يعرفه شخصيا ولا تربطه به أية علاقة خاصة، وإنما اعترافا وتقديرا لدوره الوطني في إرساء أسس الديمقراطية ودولة المؤسسات وفق جدول زمني تم الالتزام به بدقة وشفافية شهدها الجميع، بل جرى اختصار المدة الزمنية من سنتين إلى 19 شهرا فقط.
وخلال هذه الفترة القصيرة استطاع المجلس العسكري أن يرسي دعائم نظام دستوري مؤسسي لتداول السلطة سلميا، وأجرى تعديلا دستوريا يختصر ولاية الرئيس من ست سنوات إلى خمس غير قابلة للتجديد إلا مرة واحدة، ونص الدستور المعدل على منع تغيير المواد الخاصة بولاية الرئيس كما نص على أن تتضمن اليمين الدستورية للرئيس المنتخب عدم تغيير هذه المواد «بصفة مباشرة أو غير مباشرة»، مع تحديد عمر مرشح الرئاسة بما بين أربعين عاما وخمس وسبعين سنة.
كما وضع المجلس العسكري وأقر قانونا جديدا للمعارضة يمنحها وضعا قانونيا بصفتها شريكا سياسيا في الشأن الوطني، ويعطي زعيمها امتيازات مادية ومعنوية تقترب من امتيازات رئيس الحكومة وتتضمن منزلا وسيارة وحرسا خاصا وراتبا شهريا، وتتيح له لقاءات دورية مقننة مع رئيس الجمهورية للتشاور في الأمور العامة مع إمكانية طلب لقائه في أي وقت عند الضرورة، كما فرض القانون الجديد على السلطة معاملة المنتسبين إلى المعارضة على قدم المساواة في الوظائف العامة دون تمييز ضدهم بحكم انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية.
وقبل ذلك كله، منع المجلس العسكري أعضاءه وأعضاء الحكومة الانتقالية التي شكلها من الترشح لأي منصب انتخابي خلال المرحلة الانتقالية، مما أعطى مصداقية إضافية لعمل المجلس ومكن الحكومة من الإشراف على الانتخابات البلدية والبرلمانية ثم الرئاسية بنزاهة وحياد، حسب اعترافات الفرقاء السياسيين وشهادات المراقبين المحليين والدوليين.
ما فعله علي ولد محمد فال لم يكن بِدعاً في تاريخ موريتانيا فحسب، وإنما مثل سابقة في تاريخ المنطقة، في مجمله وبتفاصيله، ولذلك لم يصدقه الكثيرون في البداية وما زال البعض حتى الآن غير مدرك لحجمه وأبعاده التاريخية والسياسية.
ولا شك أن ولد محمد فال بتخليه الطوعي والاختياري عن السلطة، بعد أن كان ممسكا بزمامها عسكريا ومدنيا، قد أحرج الكثيرين وأغضب بعضهم وربما أقلق آخرين، لكنه هو لم يفكر إلا في تقديم خدمة وطنية لبلده ومواطنيه، ولم يدّع أنه «قائد ثورة» أو سعى للعمل على تصدير «ثورته» خارج حدود وطنه!
لقد اعتبر نفسه في مهمة عسكرية أملاها الواجب الوطني، وبعد أن أنجز المهمة وأكمل المعركة بنجاح كما خطط لها، انسحب بهدوء وسلاسة تاركا الميدان لمن اختاره الشعب بحرية ليتولى القيادة في أعلى هرم السلطة وعلى رأس الدولة.
لم يثنه إغراء السلطة ولا حجم التأييد الشعبي الذي حظي به، ولا إمكانية التلاعب بالدستور والقوانين أو اللعب عليها، عن تحقيق الأهداف التي حددها منذ البداية هو وزملاؤه في المجلس العسكري وحرصوا على إنجازها بكفاءة واقتدار.
ولقد كان مؤسفا ومثيرا لاستغراب واستياء الكثير من الموريتانيين مدى الغياب العربي اللافت في مثل هذه المناسبة الوطنية التاريخية التي كانوا ينتظرون مشاركة أشقائهم العرب فرحتها والاحتفاء بها، بينما كان الحضور الإفريقي، وحتى الأوروبي والأميركي، بارزا وعلى أعلى المستويات!
خرج علي ولد محمد فال من الرئاسة وأصبح خارج السلطة، لكنه ظل وسيبقى في قلوب الموريتانيين وقد حفر اسمه بأحرف بارزة في سجل تاريخهم الوطني، واكتسب من الاحترام والتقدير أكثر مما كان يحظى به وهو في قمة السلطة.
فهل هناك مكسب شخصي أو وطني أكبر من محبة الشعب واحترامه وصيانة المصالح العليا للوطن؟