أصبح الشعور بالذنب عند الغربيين تجاه حادثة تاريخية ملفقة وتفتقد إلى الأدلة المادية الدامغة كالهولوكوست، يلقي بظلاله على الكثير من القناعات والمفاهيم التي تؤطر لقضايا أخرى مغايرة لها على أرض الواقع، وعلى رأس هذه القضايا أهمية وأولوية تأتي قضية المرأة، والمكانة التي تحتلها بالمشاركة مع المكونات الأخرى للمجتمع البشري.

فبعد أن كان أجداد الأوروبيين وأسلافهم من الرومان يعتبرون المرأة نصف إنسان ونصف حيوان، فكان عقابها على الإثم الذي لم ترتكبه أن احتقروها وأهانوها ولم يعطوها من حقوقها شيئا إلا بقدر ما يحتاج نصفها الإنساني ليعيش، من أجل أن يستفاد من تسخير نصفها الحيواني للخدمة أو للمتعة.

ولكن الأمور بدأت تتبدل مع انحسار سلطة الكنيسة في أغلب الظن، وبدأ هذا المفهوم الجائر يتعرض لهجوم مضاد، وسيطر على الغرب تجاه المرأة شعور بالذنب؛ دون أن يستطيع أحد أن يجزم إن كان هذا الشعور نابعا من ندم حقيقي أم أنه مصطنع وغير موثوق فيه كشعورهم تجاه الهولوكوست.

المهم أن نظرة المجتمع الغربي إلى المرأة بدأت ظاهريا تأخذ منحى الكرم العربي في إغداق الحريات والحقوق، وبدأت المرأة منذ ذلك الحين تكتسب من الحريات والحقوق الاجتماعية والمالية والسياسية ما يجعلها الآن أكثر مساواة بالرجل، بل إنها مهيأة لأن تفوق في حقوقها الرجل في المستقبل القريب.

وبعيدا عما إذا كانت تلك الحريات والحقوق التي تنازل الرجل الغربي عنها طائعا أم مكرها تليق أو لا تليق بخصوصية المرأة، إلا أن الملفت للنظر هو اجتياز قضيتها حدود القارتين الأوروبية والأميركية إلى مجتمعات جديدة لم تكن تصنف المرأة على أنها نصف حيوان، لدرجة أن المنظمات الدولية السياسية الطابع في أصلها، تلقفت هذه القضية الاجتماعية الطابع في أصلها وتبنت مسؤولية تصدير مفاهيمها المبتدعة ونشرها عالميا أو ربما فرضها على مجتمعات العالم سواء بالعصا أو بالجزرة، ودون تفريق بين كونها محافظة أم منفلتة.

مع نهاية القرن العشرين، تسارعت وتيرة الإيقاع وأصبحت أدوات قضية المرأة أكثر منهجية وأكثر وضوحا في رسم الهدف وأكثر تأثيرا في دوائر القرار الملزم، حتى بات انتشار اللون الوردي يمثل تهديدا صريحا وباعثا على القلق على المساحة التي كانت تابعة للون الأزرق أو يرفرف عليها عَلَمه، أو توارثها أبا عن جد وفقا لشهادات التاريخ، وحتى أصبح واجبا إنسانيا قبل أن يكون رجوليا أن يطرح السؤال نفسه: إلى أي مدى ستستمر المرأة في اغتصاب المناطق والمكتسبات والحقوق الرجالية المؤيدة بالفسيولوجيا والسيكولوجيا البشرية؟

وما هي حدود مطامعها، أو ما هي كمية الحقوق التي ستنتزعها من براثن الرجل لتصل إلى مرحلة التساوي أو التماثل أو ربما التفوق؟ ثم كيف سيكون شكل العالم عندما يصل الصراع على الحقوق إلى منتهاه ويبرم الطرفان عندها مواثيق جديدة قد تمليها المرأة هذه المرة؟

إذا لم يعُد الرجل إلى رشده وحنكته، وبقي ممسكا بخيوط اللعبة إلى نهايتها، وإذا لم تنتصر أنوثة المرأة على دوافعها وميولها الاسترجالية، فإن الموجات التسونامية لقضية حقوق المرأة التي يتولى الرجل مهمة مرافعتها ضد نفسه في مفارقة كوميدية من أشد المفارقات مدعاة للغرابة، مرشحة لأن تنخمد خلال عشرين أو ثلاثين سنة على الأرجح، وعندها أتوقع ألا تخرج النتيجة عن أحد ثلاثة سيناريوهات.

السيناريو الأول: ستحسم فيه المرأة الصراع لصالحها، وسينقشع الغبار عن سيطرة نسائية كاملة، في مقابل انحسار دور الرجل، أي إلى نيجاتيف أو صورة سالبة للحالة أيام سلطة الكنيسة، وهو وضع يعكس حالة فقدان الوعي عند المرأة والرجل بأهمية الوظيفة العاطفية التي كانت منوطة بالمرأة، وهذا السيناريو مرشح للحدوث إذا اكتمل النضوج الفكري والعقلي والشخصي عند المرأة على حساب جفاف أنهارها العاطفية، بالتزامن مع حالة من الارتخاء والاعتمادية الكاملة على المرأة من جانب الرجل.

في هذا السيناريو ستتمكن المرأة من الاستحواذ على كل الحقوق التي تدعي أنها حُرمت منها منذ بدء الخليقة، وفوقها الكثير من حقوق الرجل أيضا، حتى أن النساء سيتربعن على عروش الحكم وكراسي السلطة، وسيحكم دول العالم ملكات ورئيسات للجمهوريات، يساعدهن رئيسات للوزارات ووزيرات ونائبات للبرلمانات وسفيرات وستدير مؤسسات الدولة وهيئاتها مديرات عامات، حتى الشركات العابرة للقارات ستدار بواسطة نساء الأعمال والرئيسات التنفيذيات، بينما لن يتعدى عدد الرجال الذين قد تقبل النساء بمنحهم الثقة لشغل شيء من هذه المناصب أصابع اليد الواحدة.

وبينما ستتفرغ النساء لقيادة الدولة وشؤونها والاهتمام بالقضايا المصيرية والبناء والتطوير الاقتصادي والتقني والعلاقات الدولية، فإن الرجال لن يكون لهم حينها فائدة تذكر إلا كما لذكور النحل، ولن تتعدى اهتماماتهم العمل كموديلات إعلانية والجري وراء مبتكرات الموضة والتسكع في الأسواق، وفي أحسن الأحوال ستعهد إليهم النساء ببعض المهن والحرف الحقيرة ككنس الشوارع ونقل القمامة أو الخدمة المنزلية (وقد تتفشى ظاهرة اغتصابهم من قبل سيدات المنزل).

وفي أحسن الأحوال سيعينون في الوظائف الإدارية الدنيا، وسيصل الأمر بالرجل إلى أن يتحول إلى مواطن ناقص الأهلية أو الكفاءة، مما سيدفعه إلى تنظيم المظاهرات وعقد المؤتمرات العالمية للمطالبة بمساواته بالمرأة واستعادة ولو جزء من حقوقه، ولست واثقا إن كانت المرأة حينها ستقف معه، أم تتركه وحيدا يتجرع علقم مصيبته.

أما على المستوى العائلي فسيكون قرار الزواج والطلاق بيد المرأة، والكلمة الأولى والأخيرة في البيت ستكون لها بالطبع، فهي التي تنهي وتأمر، وتخرج وتعود متى شاءت، وهي التي تنفق على الرجل وتتولى شؤونه المالية، والرجل المسكين لا حول له ولا قوة إلا الطبخ والكنس وتربية الأولاد، ولسان حاله يقول: ظل ست، ولا ظل حيطة.

السيناريو الثاني: ستصاب فيه قضية المرأة بنكسة صحية تتفاقم بسببها سيطرة الرجل على المرأة، في وضع يعكس انهيار العلاقة الإنسانية والعاطفية التي تربط الرجل بالمرأة، لأن الرجل عندها سيعمد إلى تهميش المرأة بشكل غير مسبوق، وبدلا من أن يعتبرها نصف إنسان ونصف حيوان ستصبح عُشر إنسان وتسعة أعشار حيوان، وهذا السيناريو مرشح للحدوث إذا فقد الرجل وبشكل نهائي ثقته في قدرة المرأة على مجاراته بعد كل التنازلات والمبادرات والفرص التي أتاحها لها.

في هذا السيناريو سيختصر الرجل وظيفة المرأة إلى مجرد آلة للإنجاب والاستغلال، ولكن بحيلة ذكية وماكرة، تبدو للمرأة في ظاهرها مساحة إضافية لحريتها في الحركة والمساواة ومنحها للحقوق، وهي في الحقيقة فخ قاتل إذا وقعت فيه فستكون بداية حقبة جديدة من عبوديتها.

فعندها سيستغلها الرجل جنسيا وجسديا للإثراء من وراء تسخيرها تجاريا في الترويج والإعلان والفن والأزياء أو كرقيق أبيض لأغراض الدعارة والمتعة المحرمة. بل إن الرجل قد يتمادى في امتهان المرأة بحرمانها من القيام بالوظائف والمهن المحترمة، واستغلالها بإسناد المهن المرهقة إليها كأعمال البناء والصناعات الملوثة للبيئة ورش المبيدات الحشرية وحفر مناجم الكبريت الأحمر والتنقيب عن النفط في أعالي المحيطات.

السيناريو الثالث: ستصل فيه المرأة مع الرجل إلى خط النهاية خائري القوى، وعندها سيتفقان على الخروج بنتيجة لا غالب ولا مغلوب، على أن يستغني كل منهما عن الآخر ويستقل بذاته استقلالا تاما، وهذا يعني انقطاع آخر الحبال التي تربط سفينة المرأة بمرفأ الرجل، في وضع يعكس انقراض حقبة التوازن الجنسي البشري في العالم، وظهور عالم جديد، أو بالأحرى عالمين جديدين أحدهما مكون من شعوب ومجتمعات ودول وكيانات سياسية أنثوية، والآخر مكون من شعوب ومجتمعات ودول وكيانات سياسية ذكورية، وقد يقتسمان كوكب الأرض بالتساوي أو بحسب تفوق أحدهما على الآخر.

أما العلاقات السياسية والتجارية بين الكتلتين فستتحدد على قدر ما سيمتلك أحدهما من المزايا النسبية التي يتفوق بها على الآخر، إما اقتصاديا أو تقنيا أو استراتيجيا، مما يقوي احتمالات نشوء العلاقات الدبلوماسية الودية أو التحالفات السياسية، أو على الأرجح تفجّر الخلافات الحدودية أو الأيديولوجية التي قد تستدعي اللجوء إلى الأعمال الإرهابية.

وقد يترتب عليها شن حروب وقائية أو استباقية، وقد تشتعل بينهما حروب كونية أو نووية أو ربما يُكتفى بالحروب الباردة أو الفاترة. وسيتطلب هذا النظام العالمي الجديد ظهور منظمات دولية تنسق العلاقات الدولية بين الجانبين، الأمر الذي سيستدعي أن يكون موظفو هذه المنظمات نصفها من النساء والنصف الآخر من الرجال أو بحسب الوزن النسبي لسيطرة كل جانب على كوكب الأرض.

أما تكاثر النوع فسيكون من خلال إنشاء مزارع تشبه مزارع الدواجن والأبقار، لإكثار الرجال في المجتمعات النسائية واستخدامهم لأغراض التكاثر، والعكس بالطبع عند الرجال، ولا أتوقع في الحقيقة أن يصل الأمر إلى أبعد من ذلك فتأكل النساء لحوم الرجال، ويأكل الرجال لحوم النساء.

العلامة الفارقة الوحيدة في السيناريوهات الثلاثة أيا كان السيناريو المتحقق، أن البشر بعدها لن يعرفوا شيئا اسمه الحب، وستندثر قصص العشاق والمحبين، ومعها قصائد الهوى والجوى، ولن يغنّي بعد ذلك اليوم أحد للقمر ولا لليل.. ولا لسحر العيون.

كاتب إماراتي