فشل الإدارة الأميركية المرتقب في فرض عقوبات جديدة على السودان عن طريق مجلس الأمن الدولي لن يمنعها من فرض عقوبات انفرادية أحادية الجانب، لكن لماذا الإصرار الأميركي في كل الأحوال على معاقبة السودان في وجه معارضة من قوتين دوليتين ـ روسيا والصين ـ وقوتين إقليميتين ذواتي وزن ـ مصر وجنوب إفريقيا ـ ورغم فشل العقوبات الأحادية الأميركية السابقة.. بالرغم من التعاون النسبي للنظام السوداني مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي؟

هذا الإصرار الأميركي المريب يؤكد، مقروءاً مع مؤشرات أخرى، ان للولايات المتحدة أجندة استراتيجية بعيدة المدى وغير معلنة ضد السودان.. وبالتالي فان مشكلة دارفور في نظر واشنطن ورقة ابتزازية تصلح لخدمة هذه الأجندة.. وإلا فهل يعقل إلا السذج ذوو الذهنيات الغوغائية ان الإمبريالية الأميركية تحولت فجأة إلى جمعية خيرية لمواساة أهل دارفور؟

أبرز المؤشرات ذلك التضخيم السياسي والدعائي للمشكلة، ووصف ما يجرى في الإقليم بأنه أكبر حرب «إبادة» في هذا العصر، وكأن الناس لا يرون مقتل مليوني عراقي وتشريد مليونين آخرين من النازحين وهجرة مليونين إضافيين إلى خارج العراق، وذلك تحت ظروف احتلالية.

من المؤشرات أيضاً تواطؤ إدارة بوش مع منظمات يهودية أميركية لتصعيد الحملة الدعائية تحت عنوان «التضامن مع شعب دارفور».

ومن بين المؤشرات المهمة اختزال المقاربة الأميركية الرسمية للقضية في ثلاث نقاط ثانوية: إغاثة ـ جنجويد ـ قوات دولية. ومن الواضح ان الغرض من هذا الاختزال هو إقصاء الحل السياسي الجذري للأزمة حتى تتواصل حالة الاقتتال بما يعطي قوة تبريرية للإصرار الأميركي على إرسال قوات دولية إلى الإقليم، وفي هذا السياق يلاحظ ان الإدارة الأميركية تعزف تماماً عن ممارسة أي ضغط على قيادات حركات التمرد لحملها على الدخول في تفاوض مع الحكومة السودانية.

هذا يعود بنا إلى التساؤل المطروح: ما هو الهدف الاستراتيجي الأميركي بعيد المدى؟

رغم أن الهدف، أياً يكون، غير معلن إلا انه ليس من العسير استنباطه من خلال المؤشرات المتوافرة؟

من الواضح ان الهدف هو إضعاف النظام الحاكم السوداني وإبقائه على حالة الضعف لأمد غير معلوم، هنا ينبغي ان نأخذ في الحساب اعتبارين: أولاً ان الولايات المتحدة لا ترغب في الإطاحة بالنظام، وثانياً ان التحرش بالنظام يدخل ضمن سياق الصراع الأميركي الصيني في القارة الإفريقية.

الحرص على عدم الإطاحة بالنظام ـ مع إبقائه ضعيفاً مستجيباً للاملاءات الأميركية ـ ينبع من الحرص الأميركي للمحافظة على صيغة الحكم الثنائي ـ «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية» الجنوبية ـ التي أفرزها اتفاق نيفاشا والتي أعطت «الحركة» أكثر مما كانت تحلم به. فتغيير الحكم سيعني بالضرورة تغيير بنود نيفاشا أو على الأقل إعادة التفاوض عليها مما يعتبر «أبغض الحلال» لدى إدارة بوش.

من الناحية الأخرى تهدف الولايات المتحدة إلى تصفية الوجود الصيني المتنامي في السودان والذي يتجسد حاضراً في شراكة نفطية ومصنع سلاح ومستقبلاً في خطوط أنابيب ومصنع سيارات بالإضافة إلى التنقيب عن الغاز الطبيعي.

في الماضي كانت ورقة الضغط الأميركية هي تسعير الحرب في الجنوب. الآن وقد انتهت حرب الجنوب يأتي تسعير الحرب في دارفور كورقة ضغط جديدة.

والسؤال الأخير هو: هل يصمد النظام؟ حتى الآن لا يوجد ما يشير إلى عكس ذلك.