تشكل توجيهات الملك عبدالله الثاني بن الحسين إلى حكومة الدكتور معروف البخيت برنامجا متكاملا لأداء الدولة خلال المرحلة المقبلة ، وما عرضه من أولويات خلال ترؤسه لجلسة مجلس الوزراء أمس يمكن تحديدها في ثلاثة محاور رئيسية تصب كلها في حركة النهوض الشامل التي يقودها جلالته بنفسه كي تبلغ اهدافها .

في المحور الأول طلب الملك من الحكومة وضع إستراتيجية لضمان الأمن في قطاعات الماء والطاقة والبيئة ، ولو تعمقنا في تلك الثلاثية جيدا لرأينا أنها تشكل عصب الحياة في بلدنا كما هي في أي مكان آخر ، ولكننا أمام شح مواردنا المائية والتكلفة العالية التي ندفعها في سبيل الحصول على البترول مقابل تزايد حاجتنا لتوليد الطاقة نجد أنفسنا اليوم بحاجة إلى مثل تلك الإستراتيجية لكي نواجه حاجتنا المتزايدة للماء والطاقة في آن معا ، أما تبادلية العلاقة مع الحفاظ على البيئة فهي مسألة يطول فيها الحديث رغم وعينا الأكيد بأن البيئة بمعناها المرتبط بسلامة الأرض والإنسان تحتاج منا إلى الانتقال بها من مرحلة الشعارات اللطيفة إلى الإجراءات العملية الصارمة .

في المحور الثاني يمكن أن نفهم توجيهات الملك بضرورة الإعداد المحكم للإنتخابات البلدية والبرلمانية على أنها تعليمات واضحة لا مجال للإهمال في أي جانب من جوانبها خاصة الجانب المتعلق بالنزاهة والشفافية والعدالة لأن أي خلل في تلك المبادئ سينعكس سلبا على الروح الوطنية التي نستحثها بالمواطن ونحن ندعوه إلى ممارسة حقه الإنتخابي وإختيار من يستحق صوته وثقته في البلدية التي تقوم على خدمته في مكان إقامته وفي مجلس النواب الذي يفترض أنه يعبرعن إرادته في نطاق السلطة التشريعية التي دعا جلالة الملك الحكومة إلى التنسيق والتعاون معها لإنجاز القوانين المعروضة عليها خلال دورتها الإستثنائية الحالية .

المحور الثالث فيه ثلاثية أخرى تجمع بين حل مشاكل المستثمرين من ناحية وتنفيذ المشروعات الإستثمارية في المحافظات من ناحية أخرى ، والتأكيد على ضرورة إنجاز مشروع سكة الحديد بين عمان والزرقاء من ناحية ثالثة ، أي أنه محور يتعلق بجانب حيوي من التنمية الشاملة الهادفة إلى تحسين الواقع الإقتصادي والاجتماعي للإنسان الأردني وتوفير الوسائل اللازمة لتحقيق طموحاته التي يريد جلالة الملك من الحكومة أن تجعلها ملموسة ومحسوسة في أقرب وقت ممكن .

لعل توجيهات الملك تحمل في مضمونها قدرا من تجديد الثقة بحكومة الدكتور البخيت لكي تواصل عملها وتعد نفسها للمرحلة المقبلة إعدادا كافيا لتكون قادرة على حمل مسؤولية كل تلك الإستحقاقات المفصلية ، وذلك وسط أجواء معقدة تمر بها المرحلة ، وفي غمرة تحرك سياسي كبير يقوم به الملك تجاه قضايا المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ، وهو ما اشار إليه رئيس الوزراء حين شجب الحملة المنظمة التي يتعرض لها بلدنا والتي تستهدف إحباط مسعى الملك لإطلاق عملية سلمية يستعيد بها الفلسطينيون حقوقهم المشروعة ويقيمون دولتهم المستقلة على أرضهم المحررة ، وهذا ما يمكن أن نسميه بالرؤية المتكاملة التي تعزز إنجازات الدولة الداخلية وتقوي دورها الإقليمي والقومي والدولي فتقدر على القيام بسؤولياتها كلها بثقة وإقتدار .