التصعيد العسكري العدواني الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية طوال اليومين الماضيين, لا يهدد الجهود الإقليمية والدولية لإحياء عملية السلام في المنطقة فحسب, وإنما قد يعصف بها حتي إشعار آخر.. ذلك أن التصعيد الإسرائيلي الحالي, الذي يعد الأعنف منذ إعلان التهدئة في26 نوفمبر من العام الماضي, يكشف بوضوح أن نيات إسرائيل تجاه السلام ليست خالصة, ولا صادقة.
ولعل هذا ما أشار إليه مصطفي البرغوثي وزير الإعلام الفلسطيني, عندما قال إن هذا التصعيد الإسرائيلي الخطير هو رد إسرائيل علي مبادرات السلام العربية والفلسطينية. وأوضح أنه خلال شهر لم يقتل إسرائيلي واحد, ولكن إسرائيل قتلت22 فلسطينيا ونفذت126 اجتياحا لمختلف المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
والواقع أن مؤشرات عدة تؤكد أن التصعيد العسكري الإسرائيلي الراهن خطة مدبرة ومقصودة يستهدف من ورائها إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي وأركان حكومته, تحقيق أهداف من أبرزها:
أولا: استدراج فصائل المقاومة الفلسطينية إلي عمل عسكري ضد إسرائيل, يوفر لأولمرت ذريعة يرتكز عليها للحيلولة دون بوادر تلوح في الأفق بإمكان كسر الحصار المفروض علي الحكومة الوطنية الفلسطينية, وقطع الطريق علي إرهاصات النتائج الإيجابية لجولة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عواصم أوروبية.
ثانيا: يعكر التصعيد العسكري الإسرائيلي أجواء المباحثات الدورية التي بدأت جولتها الأولي في الأسبوع الماضي بين أولمرت وعباس, والتي كان من المنتظر أن تستأنف في جولة ثانية في رام الله.. ومن المرجح الآن أن تتوقف ترتيبات انعقاد الجولة الثانية.
ثالثا: يأتي التصعيد الإسرائيلي قبل أيام من نشر التقرير الأولي للجنة فينوجراد الإسرائيلية, حول مجريات وملابسات فشل الحرب الإسرائيلية علي لبنان في الصيف الماضي, وتشير الدوائر والمصادر الإسرائيلية المطلعة إلي أن التقرير سيحمل أولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتس مسئولية الفشل, وهو ما قد يؤدي إلي احتمالات انهيار حكومة أولمرت, علي حد توقعات مصادر إسرائيلية.
ولذلك فإن أولمرت تعمد, مع سبق الإصرار والترصد, التصعيد العسكري العدواني الحالي علي الفلسطينيين, في محاولة مكشوفة للإفلات من أزمة داخلية تهدد مستقبله السياسي, وقد تعصف بحزبه كاديما لمصلحة حزب الليكود.
ذلك أن أولمرت ـ الذي وصفه منذ أيام إعلامي إسرائيلي إثر إجراء حوار إذاعي معه ـ بأنه رئيس حكومة محاصر.. ويشعر بأن الجميع يحاول إفشاله.. أولمرت هذا لا يواجه أزمة فشل حربه علي لبنان فحسب, وإنما يتعرض كذلك للتحقيق معه في قضايا فساد مالي.
ولذلك, فإن أولمرت, الذي يهتز من تحته مقعده كرئيس للوزراء, لم يجد أمامه لمحاولة تخفيف وطأة الأزمة الداخلية التي يعاني منها سوي تدبير التصعيد العسكري علي الفلسطينيين.. وبذلك يسقط قناع المراوغة الإسرائيلية.