حلم الديمقراطية يداعب كل شعوب العالم، لكن الفارق هو بين من استطاع فرض قوانينها والالتزام بها، وبين من حوّلها إلى نموذج يحمل الاسم ويرفض المعنى، ولعل الانتخابات الفرنسية الراهنة تكشف كيف وصل النضج السياسي للمجتمع هناك درجات عالية، إذ لم يسبق أن جرى اقتراع يتنافس عليه 85% من الشعب ممن يحق لهم الاقتراع، والسبب ربما أن هناك شعوراً عاماً بالمشاركة وجعل هيبة المواطن عند المسؤول الكبير تراعيهما جملة أغراض لابد من وضعها على قائمة الأولويات.
في الجهة الأفريقية تجري انتخابات مماثلة في نيجيريا، والصورة ليست زاهية حين حدثت اختراقات ومخالفات طلب المعارضون على إثرها إلغاء تلك الانتخابات لأنها فاقدة شروطها الموضوعية والقانونية، لكنهم ينسون أن من هيأ لهذا السباق هم من يعيشون داخل السلطة بأورامها الخبيثة وتعقيداتها، والفارق هنا أن الفرنسيين أصحاب تقاليد عريقة في المشوار الديمقراطي، ويستحيل مخالفة القوانين لأن الرقيب الداخلي صارم، وسكان القارة الأوروبية يعتبرون أنفسهم رقيباً آخر لأن الإخلال بأصول وتقاليد غير قابلة للنقض أو التعدي يجعل فرنسا نموذجاً يُحتذى لا مخالفاً لتلك القوانين.
مشكلة العالم الثالث أن ديمقراطياته لا تقوم على أسس موضوعية فكثير منها استطاع أن يواصل مشوار الاقتراع القانوني، لكن حماة الرسالة الوطنية من أصحاب القبعات الملونة هم من أهدر تلك الإنجازات، باستثناء دولة كبرى هي الهند التي تعد نموذجاً منفرداً بين قائمة الدول والشعوب بتعددية أعراقها وأديانها وقومياتها.
في الوطن العربي استطاعت حماس أن تقطف ثمرة اقتراع حرّونزيه، ولكن عندما واجهت السلطة كانت تنقصها أدوات الحكم وتصرفت كمنظمة، ورغم شرف نضالها فإن المناورة وكسب أرضية واسعة مع الخصوم احتاجا إلى سلسلة من التقلبات كادت أن تحدث انقساماً خطيراً لولا وساطة الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأمانة القضية التي حولت الخلاف إلى ميثاق وطني يقسم على عدم خرقه كل القيادات.
النموذج الآخر جاء من موريتانيا، إذ رغم الفقر ونسب الأمية في المجتمع وقسوة الواقع السياسي، والاقتصادي وتعاقب الانقلابات، إلا أنها تجاوزت كل التعقيدات باقتراع حرّونزيه، أثبت أن الوعي بمصلحة المواطن، حتى لو كان أمياً، يؤكد أن وضوح الرؤية لا يردها ضباب الدعايات المفرغة من معناها، وقد ضربت هذه الدولة نموذجاً يصعب تقليده في معظم الدول العربية، وهذا يثبت أن الفجوة التعليمية، وحتى الثقافية ليست مانعاً عن إجراء تجارب ناجحة وجديرة بالاحترام، إذا ما صدقت النوايا وجاءت شخصيات تضع قيم الوطنية فوق مصالح الأفراد والولاءات الأخرى.
مشكلتنا بالوطن العربي أننا لم نبن نموذجاً يؤكد أن لنا خطاً واضحاً ورسالة متعارفاً عليها، والدليل أنه لا توجد حكومات حافظت على تجاربها الأولية حين كان السودان والعراق، وغيرهما قد بدأت فيها بذرة الديمقراطية وحل الإشكالات المعقدة بالحوار تبعاً لمدارس بدأها المحتل، إلا أن تلك النماذج سقطت بفعل مغريات السلطة ومغامرة العسكريين، ولذلك يستحيل في ظروفنا أن نرى ما يفعله الفرنسيون أو ما قام به الموريتانيون.