لا تعنيني كثيرا تفاصيل الاتهام للمهندس المصري بالجاسوسية، وما إذا كان مهندسا نوويا بالفعل أم هاويا يبحث عن فرصة عمل، فذلك كله الآن في يد القضاء، ما يعنيني مناقشته كقضية عامة هو نوع الأداة التي قيل انه استخدمها، وهي بالحرف الواحد كما نشرت تقول (دس برنامج حاسب آلي على أجهزة الحاسب الخاصة بهيئة المواد النووية، يتيح للاستخبارات الإسرائيلية الاطلاع على المعلومات الخاصة بنشاط الهيئة)!!

وفي خبر آخر تناقلته الصحف سابقا أن رسالة تليفونية عن طريق التليفون النقال انتشرت في المملكة العربية السعودية قبل أسبوع تحذر من استهلاك نوع من البطيخ، بسبب تلوثه «بالايدز»!! وسبقتها رسالة عن تلوث الطحينة، وهو إجراء يدخل في ملف التخريب الاقتصادي.

والمطلعون بشكل جزئي يعرفون اليوم أن أي بطاقة عادية من تلك التي تفتح أبواب حجر الفنادق المنتشرة تحمل في شريطها الأسود الخلفي معلومات تفصيلية عن الساكن، ليس فقط رقم بطاقته الائتمانية، بل معلومات تفصيلية عن جواز سفره وتاريخ ميلاده وعدد أولاده وبناته، وعندما تقع تلك البطاقة في أيدي غير صديقة تصبح كل تلك المعلومات متاحة.انه عصر التقنية المعلوماتية فائقة السرعة وسريعة التطور، في مثل هذا العصر ماذا تعني «الجاسوسية»!!

تحتفظ إدارة الهجرة في الولايات المتحدة وفي غيرها من الدول الكبيرة بمعلومات تفصيلية تقريبا عن أي شخص في العالم، تكون قد حصلت عليها بطرق مختلفة منها تقديم طلبات الزيارة أو حتى الدخول إلى الحواسيب المركزية المختلفة في عدد من الدول التي تحتفظ بمعلومات عن المواطنين، ونقل تلك المعلومات بالتراضي أو ربما بالقرصنة. لم يعد احد في هذا العالم يمكنه أن يمتلك معلومات يدعي أنها سرية، متى ما خرجت من عقله وأصبحت مسجلة على حاسوب فهي مشاعة نظريا، يستطيع أي جهاز أو شخص أو مؤسسة مهتمة ولديها القدرة التقنية ان تحصل على تلك المعلومات في لمحة بصر.

ما نشاهده في بعض الأفلام التي نعتقد إنها من صنع الخيال، حيث يعالج احدهم الكمبيوتر النقال فتخرج له معلومات عن شخص يبحث عنه وبتفاصيله الدقيقة مرفقة بصورة حديثة، لم تعد مجرد خيال، إنها هناك بالفعل متوفرة لمن يطلبها. وأي طالب مجد اليوم يستطيع أن يتعرف على الشارع ورقم المنزل الذي يعيش فيه أي شخص يحتاج إلى معرفته، بمجرد أن يعرف رقم تليفونه.

ولم يكن هناك شخص في دارفور كي يصور طائرات سودانية مموهة بعلامات الأمم المتحدة، لقد تم تصويرها عن بعد من الفضاء. هكذا أصبح العالم. في الحقيقة أن ما نعرفه من معلومات هو جزء صغير من ما تعرفه الأجهزة المختصة، حيث أصبح العالم كله يدور على رقم تليفون أو بصمة إصبع.

في نهاية الشهر الأول من العام الماضي بثت محطة تلفزيونية روسية شريطا تم تصويره بكاميرا خفية لدبلوماسي بريطاني ينقب في الأحراش، تبين حال القبض عليه أن ما التقطه هو قرص رقمي صلب يحوى معلومات استخبارية كما قالت السلطات الروسية، إلا انه في نهاية المطاف ظهر أن الدبلوماسي البريطاني كان يتعامل مع منظمات في المجتمع المدني الروسي من اجل تعظيم فرص الديمقراطية!!

مما حدا بالحكومة الروسية بعد ذلك أن تحرم الاتصال بين جماعات المجتمع المدني وقبول التمويل من الخارج، وهو أمر كان قد تقرر في بعض البلاد العربية، ودارت محاكمات واتهامات في علاقة البحوث الممولة من الخارج و«الجاسوسية» بمعناها التقليدي.

وإذا صدقت التهمة الموجهة للمهندس المصري، فان برنامجا صغيرا يدخل في أي جهاز كمبيوتر، أكان شخصيا أو تابعا لمؤسسة أو إدارة حكومية، يستطيع أن ينقل كل ما يحتويه ذلك الكمبيوتر إلى مكان آخر بعيد أو قريب!!

في مذبحة فرجينيا الطلابية الأخيرة التي راح ضحيتها عدد كبير من الطلاب، معظم المعلومات التي توفرت عن القاتل جاءت من كمبيوتره الشخصي. الدول على اختلافها الآن تسن تشريعات تجبر الشركات الالكترونية الخادمة للبريد الالكتروني، ومعظمها أميركية، أن تخزن هذا البريد بين الأفراد أو المؤسسات للعودة إليه عند الحاجة، فالكمبيوتر والتليفون النقال وكثير من وسائل الاتصال الحديثة هي بمثابة «جاسوس مصاحب» للشخص من المهد إلى اللحد.

بل أصبح للانترنت مفعول مرتد، فتحصل على المعلومات الكثيرة المتوفرة بعض القوى التي تستخدمها لمصالحها، ومرة قال السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله في لبنان إننا نحصل على المعلومات في تصنيع بعض الأسلحة والمتفجرات من الانترنت!! وهو قول صحيح بالنسبة لعدد كبير من المنظمات حول العالم. فقد دارت عجلة الزمن لتغير ما يميز الاتصالات المعولمة من تفوق غربي بحت إلى مشاركة من العالم البالي أو العالم الثالث، وقد تكون المشاركة سلبية، ولكنها مشاركة. فما أريد به سيطرة يستخدم أيضاً للانعتاق.

السرعة في تطور وسائل الاتصال أصبحت معروفة للجميع اليوم، فمنذ سبعة عشر سنة فقط عندما بدأت محطة السي إن إن الأميركية بثا تلفزيونيا أصبح يعرف بالبث المعلوم وقد امتلأت اليوم فضاءات العالم بآلاف المحطات التلفزيونية المعولمة في سباق للسيطرة الثقافية والاقتصادية، وبدا وكأن هناك إعادة تركيب للرأسمالية وتوليد مصادر ربح جديدة، وأصبح الاتصال صناعة تضاهي ما لعبته صناعة الفحم أو الحديد أو حتى النفط في السنوات الأخيرة. بل أصبح للعالم جهاز عصبي مركزه هناك في الغرب وتتحرك الكثير من رغباتنا على وقع شهواته.

أمام هذه التطورات الهائلة نحن أمام تصدعات في المفاهيم القديمة ومنها مفهوم (الجاسوسية) التي لم تعد تناسب العصر ولا الذهن المعولم، فلم تعد هناك أسرار يمكن إخفاؤها أو التبليغ عنها ونحن نسمع أو نرى الحدث تقريبا في وقت وقوعه، وتتوقع لنا التقارير الجوية متى سوف تصل الزوابع، ونستطيع التعرف على الناس من أناملهم، بل وان بعض الأحداث السياسية والعسكرية تم التنبؤ بها قبل أن تحدث منها كما نعلم اغتيال المرحوم أنور السادات ونشوب الحرب العراقية الإيرانية.

فماذا تعني الجاسوسية في عالم اليوم غير القول للعامة أن الدولة لها عيون مفتوحة وآذان تسمع خلف الجدران بقصد إشاعة الرهبة من «الأخ الأكبر» أما المعلومة فإنها بسبب وسائل الاتصال الحديثة، متوفرة في العصر الذي يلهث خلفه الإنسان.

كاتب كويتي