تنفخ رياح التصعيد الإسرائيلي هذه الأيام في كل اتجاه. بحدّ ذاته، ليس ذلك بالغريب. فمثل هذا السلوك ليس جديداً أو مفاجئاً. كان باستمرار جزءاً من طبيعتها. اعتادت اللجوء إليه لأسباب وغايات عديدة لكن الملفت الآن أنه تصعيد يدور في كل اتجاه؛ وانه يتوالى في لحظة تطرح عليها مبادرات سلمية متزامنة وغير مسبوقة، بشموليتها وأبعادها، ولا يبدو أن لذلك تفسيراً خارج واحد من اثنين: إما أنها لا تطيق وضعها أمام خيارات تسوية؛ وإما أنها تتعمد التسخين تمهيداً لعمل عسكري عدواني، غير بعيد.

في أقل من يومين قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باغتيال 9 فلسطينيين في وقت يفترض أنه زمن هدنة، وكأنها بذلك تقوم باغتيال التهدئة، من خلال استفزاز الجانب الفلسطيني وحمله على الرد بالمثل فهي تعرف تماماً أن مثل هذه الهجمة الدموية، المعطوفة على تشديد الحصار وتوسيع رقعة التعديات ـ خاصة في مدينة الخليل ـ محكومة بتوليد ردّ فعل فلسطيني؛ تتخذه ذريعة لزيادة صب الزيت على النار وبالتالي التخريب على أي احتمالات تيسير «لعملية السلام». بموازاة ذلك تحشد القوات لشن عدوان على قطاع غزة.

وبالترافق مع ذلك تتجاهل التصريحات السلمية السورية؛ بل تتهم دمشق بأنها تقوم بالتحضير للحرب. كذلك هي سارعت إلى رفض عرض وساطة باكستانية، للتقريب بينها وبين الفلسطينيين. لم يكن في جعبتها، سوى الرد بالتصعيد، على كافة هذه المبادرات.

وإذا كان من ردّ آخر فهو يتمثل بذات الشروط التعجيزية، التي يختصرها مطلب «التطبيع قبل التوقيع»، ومنذ زمان رفضت التخلي عن مثلث الأرض والسلام والقتل، في آن، وكانت تتذرع بأنه ليس في الساحة طرف فلسطيني شريك في السلام، وأخذت من الخلافات الفلسطينية ذريعة للتهرب من التزاماتها، الآن عندما سقطت هذه المطيّة؛ رجعت إلى أسلوبها القديم ـ الجديد رفع وتيرة التأزيم، مع افتعال العقدة والتعقيد، لنسف المحاولات الجارية الرامية إلى تفعيل الحلول السلمية.

كل ما هو مطروح ومتداول في هذا الصدد، تجد فيه حكومة أولمرت علّة. وهي لا تأتي بأقل مما يقطع الطريق، على التحرك الدبلوماسي الجاري، ولا يبدو أن ذلك منفصل عن تسريبات وتلويحات، تظهر بين الفينة والأخرى، على لسان عسكرييها وبعض مسؤوليها؛ حول صيف قادم ساخن؛ كما يسمونه.

السوابق تقول، خاصة عندما تكون الحكومة الإسرائيلية، كما هي حكومة أولمرت اليوم، مضغوطة في زاوية تهدد بانهيارها، وفي أحسن الحالات بتعثر استمرارها، تارة تبوح مثل هذه التسريبات بالضيق الإسرائيلي تجاه لبنان. وتارة أخرى يجري الغمز الملغوم من زاوية النووي الإيراني، ناهيك بالتحريض، الذي ينطوي على اتهام سوريا بأنها تجري الاستعدادات للحرب.

الثابت أن إسرائيل لا هي جاهزة ولا هي راغبة في السلام مع محيطها، وإلا لكانت اللحظة الراهنة هي الفرصة التي لا تعوّض. وفي هذه الحالة لا بدّ وأنها تعدّ للبديل النقيض، الذي ينبغي أن تبقيه المنطقة في الحسبان.