من أول المستحيلات وآخرها أن تقوم إدارة غربية بعمل عسكري جبار كالذي حدث مع العراق تكون نتيجته التأسيس لنظام حكم ذي طابع ديني بشكل عام وإسلامي بشكل خاص. تستثنى من ذلك الحالة التي يكون فيه النظام الجديد يشكل ألعوبة أو دمية أو راعياً لمصالح تلك الدولة المحرِّرة!

في الولايات المتحدة نفسها فإن حرية الأديان والمعتقدات والعبادات مصانة في الدستور ويكفل القانون تطبيقها، لكن تولي حزب ديني أو طائفي زمام السلطة أمر غير مستحب شعبياً بل مستبعد على الإطلاق. الشارع في الدول الغربية محصّن بطريقة أو بأخرى ضد أي نشاط أو مؤثرات دينية أو مذهبية من هذا النوع أو ذاك. إذا ما يُفسح المجال أمام أنشطة دينية راديكالية فإن ذلك يهدد النظام العلماني المحبذ في الدول الغربية برمته.

في العراق المتحرر بالقوة العسكرية من النظام العلماني السابق والواقع تحت الاحتلال الأنجلو ـ أميركي يحلم القادة الإثنو ـ سياسيون الجدد، القادمون في معظمهم مع آلة الحرب الغربية الأميركية، يحلمون بالتخليد في السلطة وعلى استعداد لتقديم كل التنازلات التي تنتقص من سيادة الدولة. رأس النظام في العراق معروف بنشاطه الانفصالي عن العراق تحيط به مجموعة من النواب والمساعدين والمستشارين ممن لهم تاريخ معروف في التطرف المذهبي والديني والعرقي، وبدرجات متقاربة.

رئاسة مجلس الوزراء في العراق تحت الاحتلال طائفية بامتياز، يتمثل ذلك في شخوص رئيس الوزراء ونوابه ومساعديهم ونوابهم ومستشاريهم المختارين بطريقة انتقائية تركز على النفَس والنزعة الطائفية لكل منهم. الحقائب الوزارية موزعة بطريقة محاصصة طائفية تضع البلاد والعباد في مهب نسائم ورياح التقسيم المذهبي والعرقي وبشكل علني.

يزيد مجلس النواب العراقي الأمور تعقيداً عن طريق كتل برلمانية تحتل مقاعدها في البرلمان على شكل جزر تشع تعصباً طائفياً واضعة نصب أعينها مصالح الكتل الطائفية بغضّ النظر عن أخطاء أعضائها في الأقوال والسلوك والأفعال. في البرلمان وبشكل رئيسي هنالك الحزب الإسلامي السني وحزب الدعوة الشيعي وحزب الفضيلة الأقل تعصباً والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والتيار الصدري الأكثر ثورية إسلامياً والحزب الإسلامي الكردي وحزب الله وغيرها من الأحزاب الفرعية غير المعلن عنها. بين هؤلاء النواب الذين يمثلون الأكثرية الساحقة يغرق عدد صغير ممن يُعرفون بالمستقلين والليبراليين واليساريين. لا شعبية بالخير تُذكر في الشارع الغربي لكل ما ذكر أعلاه من الأحزاب الرئيسية.

على أرض الواقع بات الشعب العراقي منقسماً على نفسه ويغوص في جحيم اقتتال مع نفسه مع مطلع كل فجر. كيف للشعب أن يفلت من التقسيمات الطائفية وهو يشاهد الفضائيات التابعة للكتل البرلمانية صباح مساء مستخدمة تقنية الألوان الرقمية المتقدمة، في الأخبار والبرامج التثقيفية والتعليمية وفي مسلسلات وبرامج التسلية وفوازير الأطفال؟!

بات المسؤولون الحاليون في العراق حريصين على إبقاء البلاد تحت سلطتهم خوفاً من أمرين، إما عودة الدكتاتورية السابقة وبشكل أكثر شراسة وقبولاً، أو بروز صحوة لدى الشعب على شكل ثورة عارمة بعد انتشار ظواهر الفساد والإرهاب وبروز أرقام فلكية عن أموال وجدت طريقها بسهولة إلى جيوب المفسدين. للبقاء في الحكم تشمل قائمة التنازلات الملحة بيع مخزون البترول الاستراتيجي للشركات الغازية بالإضافة إلى إعطاء مجال لاستفادة الجيوش الاستعمارية من موقع العراق الجيو ـ استراتيجي.

تواجه الإدارة الأميركية مأزقاً حرجاً بامتياز بسقوطها في وحل المستنقع العراقي. لن تستطيع الجيوش الأميركية البقاء في العراق طويلاً بسبب المقاومة الشرسة المتزايدة أفقياً وعمودياً والتي باتت تشمل عملياتها معظم أنحاء العراق. ولن تستطيع الإدارة الأميركية إصدار أوامر صريحة بالانسحاب السريع من العراق خشية وقوع البلاد في أتون حرب أهلية عقب الفراغ الأمني والسياسي المتوقع. كذلك سيضع الانسحاب الأميركي من العراق الأحزاب الطائفية، غير المرضي عنها حتى أميركياً، في وضع لا تحسد عليه أمام نفسها وأمام الشعب.

بشكل ضمني أو غير معلن ادارت الإدارة الأميركية ظهرها لحلفائها العراقيين المفترضين الذين وصلوا على ظهر الدبابة الأميركية وأصوات ناخبيهم الموعودين بمستقبل أفضل. في الشارع تهاجم وحدات سلاح البحرية الأميركية مكاتب الأحزاب الإثنو ـ سياسية والمؤسسات المتأثرة بتلك الأحزاب وتعبث بمقتنياتها وتنكّل بل تقتل وتجرح من تصادفه في طريقها، في معظمهم حراس مدنيون ومؤذنو وأئمة مساجد.

المساجد والجوامع والحسينيات وصوامع العبادة باتت هدفاً عسكرياً تقليدياً لآلة الحرب الأميركية الشرسة الفتاكة وغطائها الجوي من المروحيات والطائرات المقاتلة. رؤساء الأحزاب الإثنو ـ سياسية ونوابهم ووكلاؤهم ومرافقوهم ومعاونوهم ومندوبوهم أصبحوا صيداً مغرياً لجنود القوات الخاصة العراقية المدعومة من قوات الاحتلال، بهدف القتل أو الجرح أو الاعتقال أو الاحتجاز المهين.

آخر حصن حصين لرموز سلطة الاحتلال في الساحة العراقية هو مجلس النواب الذي يكتظ بالإسلاميين وفيهم عتاة التشدد الطائفي. تلقت تلك المؤسسة ضربة مؤلمة وعوملت مثلما يُعامل باقي أفراد الشعب العراقي المبتلى بالاحتلال وقياداته السياسية، على حد سواء.

على المرء أن لا يُعمل عقله كثيراً ليجد أنه من غير المحتمل نجاح جسم خارجي ولو بحجم بيضة عصفور باختراق التحصينات وإجراءات التفتيش المقامة في الطريق إلى مكان تناول طعام أعضاء البرلمان «الإسلامي». هنالك حواجز التفتيش الأميركية والبيروفية والجورجية والعراقية الموالية للحكومة والتي لا مهمة لها سوى التأكد من خلو أمتعة الداخلين والخارجين من المكان وملابسهم وأجسادهم من أي جسم يثير الشبهة، وباستعمال أجهزة كشف عالية التقنية.

الرسالة واضحة وهي أن لا عمامة ولا لحية حكومية بعد اليوم معصومة تحت الاحتلال الحديدي الإرهابي؛ جميع العراقيين سواسية كأسنان المشط في أعين الاحتلال. لن يقتصر عمل المفخخات على اختلاف أنواعها، وطرق توصيلها إلى الهدف المنشود، لن يقتصر على الشوارع والأزقة وعمال المخابز وعابري السبيل البسطاء؛ أنتم يا من صفقتم للاحتلال وحاولتم الانتفاع منه مشمولون بقانون الإرهاب أو مكافحة الإرهاب!

راهنت الإدارة الأميركية على قوة وثقل وشعبية المعارضة العراقية السابقة والحاكمة حالياً لدى الطرف الإيراني لإقناع الأخير بالتخلي عن برنامجه النووي طوعاً وبرداً وسلاماً كما حدث مع القيادة الليبية في برنامجها النووي؛ لكن خاب ذلك الأمل والرجاء وانقلب السحر على الساحر. تمسّك الإيرانيون ببرنامجهم النووي قبل احتلال العراق وبعد احتلاله، قبل وبعد امتداد النفوذ الإيراني القوي إلى أعماق العراق، قبل إعدام صدام حسين كما بعد إعدامه. كل تلك الأوراق قُدمت عبثاً للحصول على تنازلات إيرانية دون الحاجة للذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

لن تقف المصالح الأميركية عند حد النفط الذي كان من الممكن لأميركا الحصول عليه دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة ومن نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين نفسه. تقتضي المصالح الأميركية إنشاء تواجد عسكري وإداري دائم على أرض الرافدين مع صرف الوقت الكافي للدخول في مسائل أكثر جوهرية وعمقاً تخص المعتقدات والثقافات والأمور الحضارية الأخرى.

لم تعد المقولة القديمة «الشرق شرق والغرب غرب» تعمل في قاموس السياسة الأميركية الحديثة؛ العالم كله أصبح مثل قصعة دسمة أمام النسر الأميركي الجارح. في ذلك على أصحاب العمائم واللحى المختلفة ومن والاهم أن يُعدّوا أنفسهم للخطوات القادمة، كأحزاب إسلامية في جنة أو جحيم الديمقراطية الأميركية! الأمران سيان في المشهد العراقي تحت الاحتلال الفريد من نوعه.

جامعة الإمارات

nasrin@uaeu.ac