على مدى الأسابيع الماضية أثارت قصة العلاقة بين رئيس البنك الدولي بول وولفويتز وموظفته السابقة شاهة علي رضا وترقيتها خلافاً لأخلاقيات السلوك الوظيفي الجدل في وسائل الإعلام العالمية. وقد أصدرت لجنة أخلاقيات السلوك في البنك تقريرها من 102 صفحة ، لكن الجدل بقي مفتوحاً. لن ننشغل بتفاصيل القصة في جانبها الجنسي ـ الوظيفي، فهي مجرد واحدة من القصص التي كثيراً ما نسمع مثلها في السنوات الأخيرة.
الأمور تعود بأصولها إلى سنوات الستينات. حينها عمل الطالبان الجامعيان ريتشارد بيرل وبول وولفويتز على أنظمة الدفاع الأميركية المضادة للصواريخ، ثم أنشآ فيما بعد « تحالف الغالبية الديمقراطية» لمواجهة الحملة المضادة لحرب أميركا في فيتنام.
وعلى هذا الأساس اقترب بيرل و وولفويتز من دونالد رامسفيلد الذي كان موظفاً في إدارة الرئيس جيرالد فورد. ترقى وولفويتز إلى أن تقلد عام 1992 منصباً رفيعاً في البنتاغون في ظل وزير الدفاع السابق ديك تشيني. ومن موقعه طرح فكرته باستراتيجية الحفاظ على وضع أميركا كقوة أعظم وأوحد في العالم، ومواجهة أية دولة أخرى تسعى إلى دور القوة العالمية أو الإقليمية العظمى. وقد أطلق الصحافيون على هذه الوثيقة في ذلك الوقت اسم «العقيدة الجديدة لعمل الولايات المتحدة في القرن 21». لم يأخذ الرئيس كلينتون بهذه الوثيقة، لكن المحافظين الجدد لم يسقطوها من أيديولوجيتهم وأجندتهم.
بعد فترة أصبح الماسكون بزمام الأمور في البيت الأبيض هم أعضاء ما سمى بنادي بيلدربيرجر (The Bilderbergers). والنادي واحد من أكثر المنظمات المحاطة بالسرية أهمية. ظهرت منذ عام 1954، واكتسبت اسمها من اسم الفندق حيث عقدت في مدينة أوستربيك الهولندية أول اجتماع لها. وهي تضم ممثلين عن نخب أميركية وأوروبية من كبار رجال السياسة والمصارف وقادة الشركات المتعدية للقوميات ومن كبار المفكرين والمحللين الاقتصاديين والسياسيين. ويذكر المتابعون أن النادي منذ نشأته كان مسنوداً من قبل خدمات الاستخبارات الأميركية والمنظمات الماسونية.
جماعة نادي بيلدربيرجر أقرت في اجتماعاتها عدداً من الوثائق التي شكلت في مجموعها برنامج إشادة نظام عالمي جديد ونقاطاً من استراتيجية العمل الغربية تجاه الاتحاد السوفييتي والبلدان النامية. وبالرغم من تغير الوجوه حسبما تقتضيه الأوضاع الدولية في كل مرة إلا أن «نواة» هذه المنظمة وعدد طاقمها الموجه لا يتغيران ويتشكلان من 400 شخص من كبار السياسيين ورجال الأعمال وممثلين عن جهاز الرئيس الأميركي ووزارتي الدفاع والخارجية وكبريات الشركات والمصارف وأوساط الأعمال.
القائد الفعلي لهذا النادي، كما لمجلس العلاقات الدولية هو جون روكفلر. ورغم أن الصحافيين عادة لا يدعون إلى هذه اللقاءات، إلا أن أخباراً «معدة» عنها تنشر في الصحافة. ومن الأخبار التي نشرت أن النادي منذ زمن قد شهد على المستوى الأيديولوجي انتصار مجموعة ما تسمى بالمحافظين الجدد التي يقودها موظف الخارجية الأميركية السابق ريتشارد هاس ونائب وزير الخارجية الأميركية السابق، الأب الروحي لاتفاقيات دايتون ريتشارد هولبروك ورئيس معهد واشنطن للسياسة في الشرق الأوسط دينيس روس، وأخيراً بول وولفويتز الذي انتقل عام 2005 من منصب نائب وزير الدفاع الأميركي إلى رئيس البنك الدولي ليصبح بطل الفضيحة الأخيرة.
ونقلت الصحافة الغربية آنذاك أن (البلدربيرجريين) ركزوا على جعل أمن إسرائيل، المهددة من قبل العراق وإيران وسوريا، بمثابة حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأميركية. وطرحوا ضرورة أن تركز السياسة الأميركية والمؤسسات المالية الدولية على حقن دول الشرق «بمصلات الديمقراطية» وتمويل المشاريع المرتبطة بنشر القيم الغربية ودعم الليبراليين المحليين والمنظمات النسوية وغيرها المؤيدة للولايات المتحدة.
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تمكن ريتشارد بيرل وبول وولفويتز من إقناع الرئيس بوش ببدء الحرب ضد عدد من بلدان المنطقة تحت يافطة «الحرب على الإرهاب». كما أنهما طرحا فكرة إدخال الديمقراطية إلى بلدان المنطقة. أدى ضغط نادي بيلدربيرجر، وولفويتز بشكل خاص إلى الحملة على العراق. ويقال عن وولفويتز انه في تحركه يخضع بشدة لتوجيه شاهة البطلة المقابلة له في فضيحة الغرام وأخلاقيات العمل.
أما شاهة التي كثيراً ما كانت تشاهد في معية وولفويتز فقد ولدت في ليبيا (ويقال في تونس) ونشأت في السعودية وانتقلت إلى أوروبا للدراسة حتى حصلت من جامعة أكسفورد على الماجستير في العلاقات الدولية. تقول عن نفسها إن عيشتها في الشرق والغرب شجعتها على أن تضع لنفسها هدفاً لتكون «غارسة للقيم الإنسانية ومساواة الجنسين» في البلاد العربية. ومنذ عام 1997 حيث شغلت منصب كبير منسقي البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا تكررت زياراتها إلى بلدان المنطقة. وكانت نشطة في حث الغرب على بذل المال من أجل الإصلاحات في هذه المنطقة المسماة حديثاً «مينا».
وولفويتز و شاهة ليسا شخصين اعتياديين. كانا منذ زمن قوة محركة لقرارات البيت الأبيض لشن الحرب على العراق. ورغم أن نمط تفكير هذين العاشقين لا يلاقي إعجاباً لدى أحزاب وحكومات في أوروبا، لكنه يملك في الولايات المتحدة (لوبي قوياً) ما بقيت إدارة بوش. ورغم أن شاهة تركت وزارة الخارجية الأميركية التي نقلها إليها وولفويتز بعد ترقيتين كبيرتين متتاليتين، إلى العمل في منظمة (صندوق المستقبل) غير الحكومية إلا أنها والمنظمة وثيقتا الصلة بالحكومة الأميركية.
الصراع حول قصة شاهة وعشيقها تخفي وراءها أيضاً، وهذا هو الأهم، معركة حامية تقف الولايات المتحدة في أحد جانبيها وأوروبا في الآخر. الدول الغربية تقف ضد الخطة الأميركية لتمويل مشاريع التحديث على الطريقة الأميركية في الشرق الأوسط. وبعد إعلان الفضيحة التي سبقت الاجتماع الدوري المشترك للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي طرحت البلدان الأوروبية أنها لا تستطيع الدفاع عن ضرورة تحقيق هذه البرامج.
ولذلك فإن هذه الدول ستتحفظ إزاء مواصلة تعبئة الموارد المالية للرابطة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي. وطرحوا شرطهم لذلك استقالة بول وولفويتز. لكن المشكلة أبعد من ذلك. لقد جرى العرف على أن يكون رئيس البنك الدولي أميركياً تقبل به أوروبا، والعكس بالنسبة لصندوق النقد الدولي. وفي ذلك توزيع واضح لتقاسم النفوذ العالمي بينهما في مجال نشاط رأس المال المالي العالمي الذي يقود كل العمليات الأخرى الجارية في عالم اليوم. فهل إعادة التوزيع قابلة للتحقيق هذه المرة ؟
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com
