«الوطن ليس الأرض التي نسكنها، وإنما الأرض التي تسكننا».بهذه الكلمات الجميلة والمعبرة استطاع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أن يحدد العلاقة بين الوطن والمواطن، بين الأرض والإنسان. ثمة فرق شاسع بين الحالتين، فرق يمثل الحد الفاصل بين مواطن لا ينظر إلى الوطن إلا من زاوية المصلحة التي يمكن أن تتحقق له من خلاله، ومواطن ينظر إلى الوطن من زاوية المصلحة التي يمكن أن يحققها هو له.

«إني أدرك الآن أن في سويسرا أو نابولي أماكن أجمل مما عندنا، لكنني حيثما كنت، وإلى أي جمال على هذه الأرض نظرت، أقارن ما أرى بلوحة الهضبة الواسعة الخضراء التي تطل من نافذة بيتنا في قريتنا، عندها تبهت أمام جمال هذه اللوحة كل جمالات العالم. ولو لم تكن لي لسببٍ ما قريتي وضواحيها، ولو لم تكن تعيش في ذاكرتي، لكان العالم كله لي صدراً دون قلب، وفماً دون لسان، وعينين دون إنسانين، وعشاً دون طير».

بهذه اللغة الموغلة في عشق الوطن والذوبان فيه يتحدث الشاعر الداغستاني الشهير «رسول حمزاتوف» في ملحمته الرائعة «داغستان بلدي» عن بلده متعدد اللغات والأعراق، الصغير في مساحته وعدد سكانه، الكبير في روح مواطنيه ووطنيتهم وآمالهم. يروي «رسول حمزاتوف» أن والده حمزة كان يرقد في مستشفى الكرملين بموسكو (وهناك تذكّر أعشاب داغستان ومياهها، فطلب من أولاده أن يأتوه بماء من نبع صغير في جبال بوتسخار بداغستان.

كلمة الأب قانون بالنسبة للابن. سافر الأبناء إلى داغستان، وتسلقوا جبال بوتسخار، وعثروا هناك على النبع، وأخذوا من مائه للشاعر الآفاري المريض الراقد في مستشفى الكرملين. شرب والدي قليلا من الماء فبدا كما لو أن حالته تحسنت، لا بل شفي. لكنه لا يعرف أنهم أخذوا في ذلك اليوم يحقنونه بدواء أجنبي جديد. ربما لم يشف بفعل هذه الوسائل الطبية التي أوجدها العلم فقط. وربما لم يشف بفعل الماء الآفاري وحده وهو وسيلتنا الشعبية القومية الوحيدة، لكنه شفي بفعل هاتين الوسيلتين).

«في النهاية طين الوطن ليس مثل طين أصيص الزهور الذي يمكن ريه بالماء كل يوم وتغييره بانتظام».هكذا قال «هاريبادا» أحد شخوص رواية الكاتبة البنغالية المثيرة للجدل تسليمة نصرين «لاجا» التي تعني «العار» وهو يفكر بالرحيل عن بلده، ليرد عليه بطل الرواية «سودهاموي» بعنف قائلا:

لا علاقة للأمر بقدر المال أو الفرص المتاحة لك، حتى لو لم تكن تكسب الكثير فليس من الصواب أن ترحل، أليس هذا بلدك؟... الذين يتركون بلادهم ليس لديهم إنسانية.

كل هذا والكثير مما يزخر به أدب حب الوطن وتقتضيه أدبياته، يعيدنا إلى السطر الأول من الحكاية، هناك حيث يمتد الوطن وترا تكشف طريقة عزفنا عليه مدى حبنا له وطريقة كل منا في التعبير عن هذا الحب، والفرق بين أن يكون الوطن هو الأرض التي نسكنها وأن يكون الوطن هو الأرض التي تسكننا. فحينما لا يمثل لنا الوطن أكثر من الأرض التي نسكنها يصبح من السهل علينا أن نغير ترابه مثلما نفعل بطين أصيص الزهور الذي يمكن تغييره بانتظام، هذا إذا لم نقم بكسر الأصيص وبعثرة الطين كي لا نجهد أنفسنا في ريه بالماء كل يوم.

هذا هو حال أولئك الذين لا يمثل الوطن لهم أكثر من قطعة أرض يحيطونها بجدران أربعة ليغلقوا أبوابها عليهم كي يداروا سوءاتهم، و لا يمثل لهم أكثر من مشروع تجاري يضيف إلى رصيدهم كل يوم عددا من الأرقام ترسِّخ في خانة الأثرياء وجودهم، ولا يمثل لهم أكثر من وظيفة تدر عليهم نهاية كل شهر دخلا لا يبذلون أحيانا جهدا يستحقونه عليه، ولا يمثل لهم أكثر من جواز سفر يؤمِّن التنقل بين مطارات العالم بحرية تحسدهم عليها الكثير من شعوب العالم.

يحدث هذا حين لا يمثل لنا الوطن أكثر من الأرض التي نسكنها. أما حين يكون الوطن هو الأرض التي تسكننا فإنه يصبح همنا الأول، نضع مصلحته فوق كل اعتبار، ونحيطه بسياج من أرواحنا كي ندفع عنه ما يمكن أن يتعرض له من أضرار. يغدو بناؤه مُقدَّما في جميع الأحوال، ولا يرضي طموحنا سوى احتلاله للمراكز الأولى في كل مجال.

عندما يكون الوطن هو الأرض التي تسكننا تصبح المكاشفة والإفصاح هما الوسيلة للإصلاح، وتغدو الشفافية هي الطريقة المثلى للمعالجة. ندرك أن «المستحيل وجهة نظر» قابلة للنقاش، وأنه «لا توجد حدود للتميز في السباق نحو الريادة»، ولا يعود «تحويل الحلم إلى حقيقة والرؤية إلى واقع» معجزة نغلق دونها أبواب السماء بادعاء أن زمن المعجزات قد ولى.

عندما يكون الوطن هو الأرض التي تسكننا تصبح الرؤية واضحة، ويصبح الهدف محددا، ولا يعود المستقبل ينتظر المترددين، ولا يعود لترف الوقت في حياتنا مكان، لأن الواقفين في محطات الزمن بانتظار القطار الذي لا يعرفون إن كان قد تحرك من محطته الأولى أم أنه قد تجاوز محطتهم لا يملكون سوى النظر في ساعاتهم، أما أولئك الذين قرروا عدم الانتظار فهم وحدهم الذين آثروا خيار التحدي. وعندما يكون المستقبل هو المحطة التي ننطلق إليها يصبح التحدي هو خيار الأقوياء الواثقين من قدرتهم على قهر المستحيل وكسب الرهان في سباق التميز.

كان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة تحديا كبيرا تصدى له الآباء المؤسسون وكسبوا رهانه فأنجزوه على أحسن وجه. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود ونصف هي عمر هذه الدولة التي قبلت التحدي، لم يقف الطموح يوما عند حد من الحدود ولم يعرف له سقفا يحول دون تسامقه.

وكلما علا صرح البناء تطلع أبناء هذا الوطن إلى السماء حاجزين لأنفسهم مواقع قريبة من النجوم، مدركين جيدا أن «مقياس الجدارة ليس في وضع الوثائق والخطط، وإنما في تنفيذها». وإذا كانت السنوات الماضية قد أثبتت أنهم خير من يكسر قاعدة المستحيل، فإن السنوات القادمة ستثبت أنهم خير من يحشد الطاقات وينطلق لتحقيق الرؤية، لأنهم آمنوا بأن (الوطن ليس هو الأرض التي نسكنها، وإنما هو الأرض التي تسكننا) وتحتل كل ذرة من كياننا، وتدفعنا إلى جعل بلدنا محط أنظار العالم ومهوى أفئدته.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com