عادت الأجواء الملبدة بالسحب الداكنة، تحوم في سماء لبنان. طقسه الربيعي، هذه الأيام، لا تصاحبه مناخات انفراج سياسي. على العكس تطغى عليه رياح التأزيم المتجدد. وربما، هذه المرة، كان هذا الأخير من الصنف المشحون بعوامل تفجير قد يضع البلد على مفترق طرق، كلها منزلقات. ذلك ان عملية شراء الوقت قد شارفت على نهايتها.
لبنان يقترب من استحقاقات حاسمة، تشكل محاور أساسية في الصراع الدائر. ومواجهتها من دون حلول وتوافقات؛ ليست سوى وصفة للمزيد من التصعيد. وفي ضوء حالة الاحتقان وشبه القطيعة القائمة بين اطراف الأزمة، يصبح الوضع مرشحاً للانتقال من حالة المراوحة المتعايش معها منذ أشهر، إلى حالة التهابات سياسية قد تتطور إلى نزاع أهلي.
وكان من الملفت، في الآونة الأخيرة، ان عبارة «حرب أهلية» قد عادت إلى التداول، في بورصة السياسة اللبنانية. ثمة من يطمئن بالقول أن التلويح بها لا يعدو كونه وسيلة تهويل خاصة وان سائر القوى والجهات المعنية، في الداخل، لا تنفك عن التشديد على استبعاد خيار الحرب الأهلية، بل هي، جميعها، تتحدث عن مثل هذا الاستبعاد بلغة اليقين تقول ان مقدمات ومعطيات هذه الحرب، ليست متوفرة. لا الداخلية منها ولا الخارجية. فضلاً عن ان اللبنانيين تعلموا من تجربتهم المكلفة وهم بالتالي ليسوا في هذا الوارد؛ حالياً.
كلام يصبّ الماء البارد على وضع ساخن. لكن في ذات الوقت يتواصل خطاب التهويل والاتهامات بالتسلح وبالعمل على جرّ البلد إلى أتون النزاع الداخلي. ثمة التباس في الأجواء يترك علامات استفهام كثيرة. لغة الجزم غائبة لا يعني ذلك أن هناك نوايا كامنة لإشعال حرب أهلية. سيما وان الجميع يدرك مدى فداحة وشمولية الخسارة. بيد أنه ليس هناك من يتحدث بلغة «لن»، عند نفي احتمال وقوعها وعدم السماح باندلاعها.
التراشق بتهمة التحضير لها، من شأنه خلق الاستعداد النفسي لها؛ وبالتالي إثارة المخاوف الحقيقية من احتمالاتها. والمشهد تطغى عليه حالة الفرز العميق والمتوتر. وقد أخذ دفعة إضافية من التأزيم على أثر الحركة الدبلوماسية المكثفة التي شهدتها بيروت الأسبوع الماضي؛ والتي لا يبدو أنها حققت أي تقدم، بخصوص المحكمة ذات الطابع الدولي. فالموضوع بات على ما يبدو في مراحله الأخيرة. وفي حال تعذر الاتفاق على مشروعها، فانها ستأخذ طريقها إلى مجلس الأمن للبتّ بشأنها.
الأمر الذي يقول فريق من اللبنانيين انه قد يقود إلى زيادة التعقيد ورفع حظوظ التفجير. ومصادر الأمم المتحدة تردد وبشيء من التحذير بأن المحاولة الجارية الآن من أجل التوصل إلى تراض حول المحكمة، هي المحاولة الأخيرة. الرسالة واضحة: الكرة في ملعب اللبنانيين، واستطراداً العرب. فهل يكون ذلك بمثابة النداء المحفز على وجوب التقاط اللحظة قبل فوات الأوان؟
وهل يتم استنفار الجهود العربية لتحييد كأس أزمة عاتية عن منطقة تنوء تحت وطأة أزمات حادة تكفي لزعزعة استقرارها إلى حين؟