حين يحمل الناس، فرادى أو جماعات السلاح، فإنهم عادة ما يلجأون إلى هذه الوسيلة الفتاكة لأسباب جلية تتعلق أولا وقبل كل شيء، في الحالة الطبيعية طبعا، بالدفاع عن النفس ومن ثم بالغزو أو السطو أو الجرم أو حتى للتسلية بالنسبة للمترفين من بينهم. ولكل مظهر من مظاهر استخدام السلاح تعريفه المفاهيمي الواضح، الذي لا يخلط من الناحية العلمية بأي مظهر آخر ، اللهم إذا تدخل عامل أو عوامل أخرى غريبة عن جوهره بغرض خلط الأوراق وقلب المفاهيم وتشويه الحقائق أو اللعب على الكلمات خدمة لأيديولوجية ما تريد السطو عنوة على مسار التاريخ والجغرافيا وحرفه عن سكة طبيعته الإنسانية.

في قلب هذا المشهد التراجيدي ، باتت عيون الناس تألف تسميات ومصطلحات غير أصيلة ومغرضة وتغزو مختلف أجهزة الميديا المنتشرة في شتى بقاع الأرض وذلك من نوع ما يرد في نبأ من هذا القبيل :

هناك اشتباكات تدور بين قوات الدولة الفلانية ومسلحي جماعات مسلحة في بلد ما... المفارقة في نبأ من هذا النوع تكمن في أنه يقوم بتعريف الجانب الأول من الاشتباك لكنه يبقي الجانب الآخر مجهول الهوية مقصر وصف أفراده على أنهم أشخاص يحملون السلاح ، مغفلا أن أفراد قوات تلك الدولة يحملون السلاح بدورهم أيضا، مجرما حمل هذا السلاح في الحالة الثانية ومبررا السلوك عينه في الحالة الأولى ، متناسيا في الوقت نفسه سؤالا يطرح نفسه بقوة في هذا المقام يقول:

أليست الدول هي التي تشن الحروب عادة؟ ثم أليست غالبية هذه الحروب جائرة وظالمة وقائمة على الغزو والعدوان، مما ينفي صفة الشرعية عن حمل السلاح لمجرد أن الأفراد الذين يحملونه ينتمون إلى هذه الدولة أو تلك وليس إلى هذه الجماعة المسلحة أو تلك ، وبالتالي فإن الحكم على شرعية استخدام السلاح يقوم أولا وأخيرا على مضمون القضية التي يرفع هذا السلاح إما من أجلها أو ضدها وليس علة شكل أو صفة من يحمله.

وهنا يأتي الدور الخطير والتخريبي لوسائل الإعلام المختلفة في تكريس حالة الهذيان المفاهيمي هذه المصحوبة عادة بحمى إطلاق المصطلحات على عواهنها وكيفما اتفق بعيدا عن أي سند علمي موضوعي وذلك حسب مشيئة من يدفع أكثر ، ليتحول العمل الإعلامي إلى طقس مأجور بحت تحكمه وتتحكم فيه مراكز صنع القرار العالمية التي تسيطر عليها قوى احتكارية عالمية أيضا لا هم لها إلا تحقيق مصالحها الضيقة الدنيئة بمعزل عما يمكن لهذه المصالح أن تلحقه من أضرار قاتلة لها وقع الكوارث على الكثير من شعوب الكرة الأرضية.

من نافلة القول إن هذا الهذيان الإعلامي أو الوليمة الإعلامية لا يقتصر على المثال الذي سقناه بخصوص السلاح ومسميات من يحملونه ويستخدمونه في حالة الاشتباك أو يصنعونه ويكدسونه استباقا ، لكن لا ضير في محاولة الشروع بضبط بعض تلك الاستخدامات اللغوية التي عادة ما يتم التراشق بها بين أطراف الصراعات السياسية وما أكثرها حول العالم .

والتي عادة ما تكون الغلبة فيها للقوى الكبرى لما تملكه من وسائل دعائية عملاقة قادرة على تشويه أي حقيقة وفي أي مكان وزمان ، محولة اللون الأبيض إلى اسود والجلاد إلى ضحية والمعتدي إلى معتدى عليه والعكس صحيح... إلى آخر هذه القائمة المغرضة التي تبدو بلا نهاية طالما أن المسيطر في هذا الميدان الحساس تسيطر عليه غرائزه يحركه جشعه، مما يجعله لا يرى في عذابات وويلات الآخرين سوى أرقام رابحة أو خاسرة ليس إلا.

ومما لا شك فيه أيضا أن الغرض من كل تلك الجهود المحمومة والأموال الطائلة التي تنفق عليها إنما يكمن في موضع واحد وحيد لا يخرج عن إطار محاولة جرف الأنظار عن ظاهرة تاريخية لصيقة بالإنسان المعتدى عليه تدعى المقاومة ، مقاومة الغزو والظلم والاحتلال والعدوان.

في حين لم بعد خافيا على أحد الطبيعة المسمومة لثمار تلك الجهود والأموال ، فها هي شتى وسائل الإعلام في العالم سواء التابعة منها للدول المعتدية أم للشعوب المعتدى عليها تردد عمياء أو مبصرة ذات المصطلحات التي تعجن وتطبخ في المطابخ التابعة لمراكز صنع القرار العالمية أنفة الذكر وجل ما تفعله وسائل الإعلام في بلدان الأطراف المحيطة بذلك المركز هو ترديد تلك المصطلحات والعبارات والمفاهيم المشوهة عمدا ما يجعلها مجرد بوق يصدح بحمد «فضائل» تلك المراكز لا أكثر ولا أقل، الأمر الذي يحيل القضية برمتها إلى مربع الميديا الأول والذي لا يمكن تجاوزه دون الإجابة على السؤال الجوهري المكرر التالي: هل وسيلة الإعلام هذه أو تلك صانعة للخبر أم ناقلة له؟

bassil@albayan.ae