الإرهاب يشغل العقل الغربي بالضبط كما يشغل أجهزة الأمن وصانع القرار السياسي، والاجتهادات كثيرة بل أحيانا متناقضة من الاختلاف حول تعريف الإرهاب إلى الجدل بشأن مشروعيته تبريره سواء كان التبرير سياسيا كالاختلال في ميزان العلاقات الدولية ومشاريع الهيمنة التي تسعى الدول الكبرى أو ثقافيا كمقولات الصراع الكوني دينية كانت أو حضارية.
والربط بين الإرهاب وفكرة معينة نغمة سائدة في الإعلام الغربي وبخاصة أيقونة «الإرهاب الإسلامي» التي ولدت في العقل الغربي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بكثير، ولكن الظاهرة اتسع نطاقها بشكل غير مسبوق وترتبت على أعمال إرهابية كبرى خلال السنوات القليلة تبعات جسام، فاحتلت الولايات المتحدة الأميريكية أفغانستان، العراق وأطاحت تفجيرات مدريد بحكومة أسبانيا.
**الإرهاب التنويري
ورغم أهمية أن ننفي عن الإسلام هذه التهمة الظالمة فإن من المهم وربما بنفس الدرجة أن نسعى جديا لفهم الظاهرة بعيدا عن المشاعر دينية كانت أو وطنية حتى لا تطغى انحيازاتنا على التجرد الواجب في فهم واحدة من أخطر ظواهر العصر.
ومن بين الجديد المهم في الخطاب التحليلي الغربي الذي يتناول ظاهرة الإرهاب ظهور اجتهادات جديدة تربط بين الإرهاب وظواهر غير دينية، البريطاني تيري إيجلتون أصدر مؤخرا كتابه «الإرهاب المقدس» (الناشر: أوكسفورد يونيفرسيتي برس 2005) والذي وصفه بعض النقاد بأنه الأول من نوعه الذي يقوم بمناقشه فكرة الإرهاب في سياقها السياسي والفلسفي والميتافيزيقي، وفيه يرى إيجلتون أن الكثيرين يعتقدون أنهم يفهمون ما يقولونه عندما يتعلق الأمر بالحديث عن الإرهاب لكن الحقيقة هي أن الأمر ليس كذلك لأن الإرهاب فكرة تتغير وتتبدل مع مرور الأزمان.
ونقرأ في بداية الكتاب: «ظهر الإرهاب لأول مرة مع انبثاق الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، وهو ما يفيد ضمنا أن ظهور الإرهاب، قد تزامن مع ظهور الدولة الديمقراطية الحديثة»، ويضيف إيجلتون: «رغم أن جرائم القتل الجماعي تمثل شرا عالميا ينبغي علينا مواجهته والتصدي له، إلا أن ظهور الفكرة القائلة إن القتل الجماعي يمكن أن يستخدم كأداة لتحرير النفس البشرية كان على أيدي جماعة اليعاقبة الذين يعتبرون هم رواد الإرهاب بمعناه الحديث». واليعاقبة جمعية من الديمقراطيين الثوريين ظهرت في باريس خلال الثورة الفرنسية.
وتيري إيجلتون ليس الوحيد الذي ينسب ميلاد الإرهاب للثورة الفرنسية وفكر التنوير فقبل تفجيرات لندن بأسابيع كانت الصحافة البريطانية مشغولة بكتاب يحمل وجهة النظر هذه هو (الإرهاب:حرب أهلية في الثورة الفرنسية) للمؤرخ البريطاني المعروف دافيد أندرس وفه يؤكد أندرس أن الإرهاب في الوعي الحديث استعمل للمرة الأولى لوصف الطرق الدامية والقسرية التي استعملتها الحكومة الجمهورية الفرنسية بين 1793/1794 لفرض «عقيدتها» على بلد كان عنيدا.
الإرهابيون الأوائل كانوا رجالا مثل روبسبير، سان جوس، ومارات، الذين خططوا هذه السياسة المخيفة وطبقوها. الإرهاب في التصور الأولي لم يكن سلاحا لمواجهة الحكومات الأداة النهائية في يدها، وهو في الشكل الثاني، سواء في 1790 في فرنسا، أو ثلاثينات القرن العشرين في روسيا أَو في سبعينات القرن نفسه في كمبوديا، كان دائما القاتل الأبشع.
والكتاب فيه ما يشير إلى وعي مختلف بالدور الخطير للفكر التنويري الوضعي الذي أسسته الثورة الفرنسية، وإذا كان الأمر كذلك أو على الأقل يمكن أن يكون فهل يكون «تجفيف منابع الإرهاب» موجها ضد الفكر الديني أم الفكر التنويري؟
**الإرهاب القومي
الاجتهاد الآخر الذي ظهر مؤخرا يربط الإرهاب بالقومية وصاحب الفكرة واحد من أهم المفكرين والمتفلسفين الغربيين المعاصرين وهو الفيلسوف الألماني المرموق يورغن هابرماس الذي وصفه وزير الخارجية السابق يوشكا فيشر بأنه: «يجسد الفكر النقدي في جمهورية ألمانيا الاتحادية».
ويؤكد هابرماس أولا أن محاربة الإرهاب تتطلب أكثر من استخدام قوات الأمن ومن ثم فإنه يدلي بدلوه في صراع اندلع عقب أحداث سبتمبر هو «حرب الأفكار» وإسهامه بوضوح شديد أن «القومية أصل مشكلة الإرهاب» ويبرهن على ذلك بأن أغلب أعضاء الحركات الجهادية الجديدة، كانوا في الماضي القريب، قوميين علمانيين. لقد ولد الإرهاب إذن، حسب هابرماس، من رحم حركات التحرر الوطنية، التي وصلت إلى السلطة وأخفقت في الخروج ببلدانها من التخلف الاقتصادي والاجتماعي.
**الأفكار وخرائطها
ما يطرحه هابر ماس ومن قبله تيري إيجلتون ودافيد أندرس يمكن أن يفسر ولو جزئيا الموقف العدواني الذي اتخذته الإدارة الأميركية من الملف العراقي وصولا إلى إزالة النظام البعثي بالقوة والتمسك حتى الآن - ليس فقط في معارضة الخارج بل في مواجهة الكونغرس - بأن النظام العراقي الذي كان معروفا بتشدده القومي وجذوره التنويرية التي استلهمت النموذجين الفرنسي والألماني. والولايات المتحدة لم تتخذ هذا الموقف من النظام العراقي وحده بل سبقه موقفها من نظام ميلوسيفيتش الذي انتهى على يديها بعد الضربة العسكرية الأطلسية بقليل ثم انتهى بالموت وهو حبيس زنزانة المحكمة الجنائية الدولية!
وحديث الإدارة الأميركية عن رغبتها في تغيير سلوك النظام السوري لا يمكن النظر إليه بمعزل عن هذه الخلفيات المعرفية والثقافية، فحسب المفكر المصري المعروف الدكتور رشدي سعيد فإن الأميركيين كانوا مشغولين قبل الحرب على العراق بالقضاء على دولة «محمد علي».
وهذا النموذج المركزي الحداثي ذي المرجعية الفرنسية الذي تم استنساخه ـ مع خلاف محدود في التفاصيل ـ في كل من سوريا العراق ثم اكتسى في النصف الثاني من القرن العشرين بصبغة قومية واضحة.
وأيا كانت وجاهة الربط بين احتلال أميركا للعراق وأفغانستان وبين أجندات سياسية مباشرة كالنفط أو أمن إسرائيل أو التنافس مع الصين أو أوروبا فإن من التسطيح تجاهل الجذور ذات الطبيعة المعرفية والثقافية، فالأهداف المباشرة قد تفسر ما على السطح ولفترة لا تتجاوز الأفق المنظور أما الخلفيات المعرفية والسياسية فتعني إدراك الخطوط العريضة لاحتمالات التطور المستقبلي بدرجة أكبر ـ نسيبا ـ من الوضوح والثبات. ومن المؤكد أن في الغرب أصواتا من المفيد الاستماع لها حتى لو كان ما تطرحه من اجتهادات غير مألوف أو غير مستساغ وقد يكون هناك وجه من وجوه الحق حتى فيما يقوله العدو!
كاتب مصري