تلتقي الأنظمة السياسية في دول مجلس التعاون عند قواعد متوارثة مكنتها من الصمود لثلاثة قرون، وتحدت هذه الأنظمة تكهنات المنجمين والمبصرين حول قصر عمرها وضعفها، وساهمت تخمينات هؤلاء المنجمين في توفير مادة للمنظرين والمتفلسفين في العالم العربي منذ الخمسينات، مع الطوفان الغوغائي للذين راهنوا على هشاشة النظام السياسي الخليجي، لأنهم جاهلون بالحقائق التاريخية لهذه الأنظمة، فأتت الرهانات على مصير حكم العائلات ـ كما يصفون الوضع في الخليج.

لكن الحكم في الخليج ليس حكم عائلات فهو شيء آخر، حكم العائلات كان موجوداً في مصر والعراق، وفي سوريا وليبيا، لكن الخليج تحكمه مؤسسات لها خصائص يعرفها أهلها ويقف عندها الباحثون المهتمون بالتحقيق والتحليل.

في مساء سبت الرابع عشر من أبريل 2007، يتجلى الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح في لقائه مع العائلة بحديثه «لا نية لتعديل الدستور فهو صمام الأمان، كما ليس وارداً حل مجلس الأمة حلاً دستورياً أو غير دستوري، وهو ما لم نفكر فيه، وأن العائلة لن تجد أحسن من الشعب الكويتي، وهم لن يجدوا أحسن من الأسرة الحاكمة، خصوصاً أن علاقاتنا ممتدة إلى أكثر من 300 عام، ولن نسمح لأي شخص يعكر هذه العلاقة».

ويتطرق الأمير إلى حديث النائب أحمد السعدون قائلاً (إن الكلام الذي قيل عبارة عن نصيحة نقدرها، وهذه عادة أهل الكويت في تقديم النصح، وهي ليست جديدة عليهم).. ثم يدعو أفراد الأسرة إلى التكاتف والتعاضد من أجل مصلحة الكويت ومستقبلها.

وفي حديث الشيخ سالم العلي المنشور في صحيفة القبس يوم الأربعاء 18 أبريل الجاري، يقول رئيس الحرس الوطني «بأن المتغيرات العالمية تتطلب أن تكون الأسرة أكثر تكاتفاً وتحييداً للخلافات للوصول إلى مستقبل زاهر للكويت». ونيابة عن الأسرة يجدد الشيخ سالم العلي الثقة بقيادة الأمير.

وننتقل إلى الرياض حيث يتحدث خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى مجلس الشورى قائلاً:

«من حقكم عليّ أن أضرب بالعدل هامة الجور والظلم، وأن أسعى إلى التصدي بدوري مع المسؤولين تجاه ديني ثم وطني وتجاهكم، أن أدفع بكل قدرة يمدني بها الخالق جل جلاله كل أمر فيه مساس بسيادة وطني ووحدته وأمنه، واضعاً نصب عيني الأمانة التي حملني إياها العزيز القدير».

جاءت قيادات الخليج من مخزون تاريخي، أثرى قبائلها ومجتمعاتها بتوفير عناصر فذة تتحمل المسؤولية الثقيلة ذات المواصفات الخاصة في فنون القيادة سلماً أو حرباً.

هذه العائلات كانت جزءاً من قبائلها لكنها تميزت بشيء آخر مطلوب في مرحلة تاريخية حاسمة، حيث وفرت هذه العائلات شخصيات ملكت مؤهلات خاصة أساسها، كرم يتميز بالسخاء، وشجاعة مقدامة، وعقل راجح، وقرار حكيم، وتسامح واسع، وهيبة تعلو عن الصغائر، وأمن للمستجير، وعطاء للمحتاجين، وموهبة في فنون السياسة وفي قيم الزعامة، لاسيما زعامة القبائل، هذه العناصر هي نظام شيم الأمير Amir Politics، كما يطلق عليها المستشرقون.

شيم الأمير - نراها في العلاقات بين زعماء القبائل وبين الحاكم والشعب، وبين أفراد القبيلة وأميرها، جوهرها التشاور والبساطة والكرم وسد حاجة الناس.

كان الملك عبدالعزيز سيد تلك الفلسفة، ورثها عن أجداده الذين كانوا مثل غيرهم بسطاء، لكن الله وهبهم موهبة القيادة الفذة في فصل معين في منطقة نجد، كان محمد بن سعود شيخاً وقوراً فيه صفات القيادة التي يحتاجها الشيخ محمد بن عبدالوهاب، كان الأخير يدعو والأول وهو بن سعود يقود.

هذا النهج التزم به أولاده وأحفاده، وصارت العائلة السعودية خزاناً يولد قيادات كفوءة وناجحة وأحياناً محظوظة.وكان بن سعود كريماً سخياً دافع عن الذين لجأوا إليه، رغم أن بعضهم كان خصماً له.نجد تلك الصورة في سلطنة عُمان - حيث كان الحاكم من آل سعيد قائداً وشيخاً وحكيماً وقاضياً، وآل نهيان في أبوظبي، ومثلهم آل ثاني، وليس بعيداً عنهم آل خليفة في البحرين.

وشهامة الحكم فيها التسامح وليس الضعف، وفيها التواصل وقول الحق، كانت هذه العائلات في الخليج مؤسسات تحكم وتقرر، وتأخذ القرار القاطع إذا ما تعثر الحاكم، ووهنت أحكامه وساد التردد سلوكياته.

وعندنا في الكويت حوارات الشيخ سالم مع أهل الكويت، وهي حوارات سجلتها وثائق بريطانية، ذهب أعيان الكويت في عدة مناسبات يطالبونه بالتفاوض مع بن سعود بدلاً من الشدة، وذهب وفد منه إلى بن سعود يترأسه السيد عبدالله السميط، وجاء الأعيان مرة أخرى إلى الشيخ سالم حول مجلس الشورى، كان أبرز أصواتهم السيد حمد الصقر.

كان الشيخ أحمد الجابر - هو الرجل الذي بايعوه، ففي رأيهم هو رجل المرحلة الدقيقة - أبرز ما فيه - كما تقول الوثائق نزعته التشاورية ورجاحة عقله، والتزم الشيخ أحمد بنهج الأمراء - شهامة الأمير- كما تقول القبائل، وتقول الوثائق البريطانية بأنه أسقط الكثير من الديون له لدى الكويتيين، التزاماً بقاعدة شهامة الأمير.

عائلة آل صباح، مثل عائلات الخليج، هي نسيج من أبناء الشعب، عرف عنها النزاهة والورع والإنصاف، بهذه الرجاحة جاء (صباح الأول)، وجاء ابنه عبدالله لأنه من نفس الطين، وولده جابر أسس التواصل، فالشيخ عبدالله وابنه جابر حكما الكويت سبعة وتسعين عاماً، تجلت فيها مروءة الأمير Amir Politics.

ولا داعي لنذهب إلى البعيد في التاريخ، عاصرنا الشيخ عبدالله السالم، وخلفه الشيخ صباح السالم ، والشيخ جابر الأحمد.نقرأ الكثير عن الشيخ عبدالله السالم، وعرفت شخصياً الشيخ صباح السالم، والشيخ جابر الأحمد، وكلهم تلك النبعة النادرة من تراث مروءة الأمير.

في لقاء الشيخ صباح مع أفراد الأسرة يوجه الأمير كلاماً لهم بالانضباط والابتعاد عن التدخلات المؤذية، وفي تلك الوقفة تجد ممارسة التصدي لمن يخرج عن طاعة قانون الحكم - نواميس القبلية- Tribal Ethos- والقبلية هي هيئة الحكم.

هناك أفراد بارزون في العائلة راسخون في فنون الحكم، وهناك الصغير والجديد بين الشباب لابد أن يمارس مجلس العائلة الذي يترأسه الشيخ نواف الأحمد ولي العهد الرقابة والمتابعة لأن الناس بشر لها نزاعات.والصحيح كذلك أن امتيازات الانتماء إلى أسرة حكيمة حاكمة لها تبعات وأبرزها الامتثال لنواميس القبلية وقواعد السلوكيات فيها، والأمير يدعو أفراد أسرته إلى احترامها.

ونتحدث عن التطور والتحديث والانسجام مع التبدلات، وهنا يتدخل خادم الحرمين الشريفين - الملك عبدالله بن عبدالعزيز- وكأنه يتكلم بلسان مؤسسات الحكم الخليجية، يقول في حديث إلى التلفزيون الروسي: «إن السلطة تبدو براقة من بعيد لكن تظهر حقيقتها تدريجياً، وكلما اقترب المرء منها لأنها تمثل مسؤولية جسيمة».

ويضيف الملك: «يجب أن تصل إلى نفس الإنسان البسيط وأن تستمع إلى وجهات نظر النخبة وأن تفهم العلاقات الدقيقة في النسيج الاجتماعي وأن تستطيع أن توثق علاقة بلدك بكل ثقافات العالم، وأن تكون صبوراً وعادلاً وتتصرف بطريقة تجعل الجميع يقدرون فعلك» - صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر يوم الأربعاء 18 أبريل 2007.وأقرأ سطور الملك عبدالله مستذكراً وصايا الخليفة معاوية بن أبي سفيان لابنه يزيد، جوهرها التواصل ومنابعها الحكمة.

وليس غريباً أن تبقى هذه الأسر الخليجية - مؤسسات حاكمة- لأن قوة جذورها في التواصل المستمر مع أفراد القبيلة، وهم أبناء الشعب، واحترام النخبة وهي المجتمع المعني بالسياسة والتشاور، وقوة الاستقرار فيها مع واقعيتها وانسجامها مع التطورات، كل هذه العوامل خصت دول الخليج بمواقع مميزة في السياسة الإقليمية والدولية.

وبرغم الغزو العراقي الصدامي اللئيم لدولة الكويت - عادت أسرة آل صباح بمبايعة قوية في جدة ومن جميع أهل الكويت، ففي استمرارها يتجلى الترابط التاريخي المؤدي للاستقرار.

أطاحت الحرب العالمية الأولى بالعائلات الحاكمة في معظم دول أوروبا لعجز هذه العائلات عن التطور في ممارستها لحكم الفرد واحتكارها القرار.وفي الإقليم راحت عائلات مصر وسوريا وليبيا واليمن لعجزها عن تفريخ القيادة المرجوة لذلك الزمن.وتبقى مدرسة الحكم في الخليج تمارس حيويتها إذا ما التزمت بتراث الأمير ومارست شيم الأمير وأبرزها أن الأمير واحد لا ينفصل عن أهل الدار.

كاتب كويتي

Abdullah_bishara@yahoo.com