يطيب لي أحيانا أن أنقل بعض مشاهد الحياة اليومية في قريتي الريفية على بعد ستين كيلومتراً عن العاصمة في ضواحي باريس إلى قرائي الأعزاء في العالم العربي، حتى يعيشوا معي بالذهن والخيال لحظات مشحونة بالتلقائية والجمال والمشاركة الشعبية في الحياة المدنية والسياسية على صعيد محلي بعيد عن ضجيج الحملات الانتخابية وأنوار العاصمة ومقرات الأحزاب المتنافسة، ولكن هذه المشاهد مليئة بالعاطفة والحوار والنوادر والأمل.

تستعد قريتي الهادئة الحالمة، كما فعلت في الماضي مرة كل خمسة أعوام لاختيار رئيس الجمهورية القادم الذي ستفرزه صناديق الاقتراع يومي 22 أبريل و6 مايو خلال الدورتين الأولى والثانية لهذا الموعد الحاسم من حياة الشعب الفرنسي، وبالطبع كما لا يخفى القراء العرب فالنتيجة غير معروفة وغير محسومة مسبقا لأن هذه الانتخابات ليست شكلية وليست إجراءً مفرغاً من محتواه.

ونحن سكان القرية الألف وخمسمائة نعيش هذا الحدث كأنه عرس عائلي مشترك بالرغم من تعدد الانتماءات السياسية والأصول العرقية وتنوع المشارب الفكرية واختلاف الآراء والاقتراعات يوم الحسم أو حتى في مطعم القرية الوحيد الذي يعمل صاحبه بالمزاج وليس للكسب. وللمطعم الذي اختار له صاحبه اسم (ضربة الحافر) بالفرنسية قصة طريفة لأن السيد جيرار فتحه للإمتاع والمؤانسة مع أصحابه لا لربح المال، فالمحل خاسر من الوجهة المالية.

ولا يدر على صاحبه شيئا يذكر من اليوروات، إنما يوفر للسيد جيرار اجتماع رفاقه القدامى من عهد الدراسة والمزارعين من الجوار في سهرات تطول حول مائدة شهية. وبالطبع فان مطعم (ضربة الحافر) في هذه المناسبات الانتخابية يتحول إلى منتدى سياسي من الطراز الأول، تعلو فيه أصوات أهل القرية لمساندة جميع المرشحين، بلا تمييز، لأن لكل مرشح في القرية أنصارا ومحبين وأعداء ومناوئين، لكن في كنف الهدوء واحترام الرأي المخالف والدعوة لهذا المرشح أو ذاك أو تلك بالتي هي أحسن.

ويصر المواطنون هنا على الإدلاء بأصواتهم لأنهم يعتبرون وضع البطاقة في الصندوق الشفاف واجبا وطنيا وشرفا مدنيا ومشاركة ضرورية في اختيار مصير البلاد. وهذا ليس موقف جارنا السيد موريس (متقاعد تجاوز الثمانين) لأنه يعتقد بأن جميع المرشحين مفروضون على الأمة بقوة لوبيات المال والمصارف والحكومة الخفية التي تدير العالم من منهاتن وتحرك البيادق الفرنسية من ناطحات السحاب النيويوركية، وبناء عليه أعلن أمام عمدة القرية .

وعلى رؤوس الأشهاد أنه سيحتفظ بصوته وسيواصل نومه الهادئ في فراشه صباح 22 أبريل وصباح 6 مايو احتجاجا على التلاعب بمصير الأمة ومصادرة حريتها ! والجميع يعرفون بأن (المسيو موريس) انتخب لآخر مرة في حياته عام 1965 وصوت لفائدة الجنرال ديجول الذي بقي هو مثله الأعلى، ولا يعلى عليه.

ويطيب لي دائما في هذه المحطات الانتخابية أن أقرأها بعيوني العربية، وأستخلص دروسها بعقل مسلم قادم من وراء البحر، تشرب الثقافة الغربية منذ نعومة أظفاره مع الثقافة العربية الإسلامية، فأجد بأن الميثاق الحضاري غير المكتوب الذي يربط بين الناس هنا وفي قريتي تحديدا كنموذج، يملي على الجميع مبدأ الرضوخ إلى حكم الأغلبية، حتى لو جاءت بواحد وخمسين في المئة لا غير، وجاءت برئيس جديد معاكس لإرادتك ومبادئك ومصالحك.

فالسيد موريس وهو من الرافضة الخوارج بالمعنى المدني يرفض أي مرشح من الاثني عشر الذين يتقدمون للاقتراع، لكنه في النهاية يقبل بنتيجة الصناديق التي أفرزت أحدهم، ويكتفي بعد ذلك كما عرفته بالنقد واللوم والتعزير على مدى خمسة أعوام قادمة حول موائد مطعم (ضربة الحافر) بدون أي سلوك منه للخروج عن الإجماع أو التشكيك في الشرعية أو إعلان العصيان المدني أو الامتناع عن تسديد الضرائب.

هذه هي روح العقد الاجتماعي، كما سماه فيلسوف التنوير جون جاك روسو قبل قرنين ونيف، حين كان يمهد لقيام الثورة الفرنسية لعام 1789، تلك الثورة التي أقرت قيم الديمقراطية والتعايش والوفاق والمصالحة والعدل والحرية والتضامن القائمة إلى اليوم، أي الميثاق الجمهوري الذي يضمنه دستور قوي وراسخ يغلق باب الهزات العنيفة التي تطيح بالأمن وتقوض الأمان، يحدد ببنوده الواضحة كل الواجبات والحقوق للمواطن السيد في بلاده والسيد على مصيره والمتمتع بحريته.

وقريتي التي أسكنها منذ سنوات هي النمط المصغر للمجتمع الفرنسي، فيها 23 جمعية من مختلف الحساسيات ولجميع الهوايات، وينتخب سكانها عمدتهم ومجلسهم البلدي وهيئة أولياء الأمور التي تدير مدرستهم ويختارون بحرية أعضاء نقابة المزارعين وأعضاء لجنة حماية البيئة، ويصوتون لاثني عشر مرشحا لرئاسة الجمهورية يوم 22 أبريل ويختارون واحدا من اثنين يوم 6 مايو، سيحكم فرنسا لمدة خمسة أعوام يكون خلالها ضيفا مستأجرا لقصر الايليزيه، تحد سلطاته ضوابط دستورية عتيدة لا يتعداها، أمام برلمان مستقل وسلطة قضائية حرة. ورغم كل هذه الضمانات فان المسيو موريس جاري وصديقي يظل غير راض، وهو حقه، فهو بكل بساطة مواطن، والمواطن هنا محترم مبجل حر ما لم يتعد على حرية الغير.

كاتب تونسي

alqadidi@hotmail.com