في المشهد الإقليمي الإسلامي والعربي والوطني القطري، أي على مستوى كل قطر على حده، ثمة شيء مشترك، على مستوى القاعدة كما على مستوى القمة لاسيما على المستوى العربي الجماعي بشكل عام، أي على مستوى مجمل الفعل العربي، ألا وهو أن كل شيء تقريباً، عندنا شبه متوقف على مستوى المبادرة، ونكاد نتحول إلى متفرجين أو كما وصف الأمين العام لحزب الله الوضع في لبنان وهو يشرح أحد احتمالات تطوره بالقول: «إنه قد يستمر يعس ولمدة سنتين، ويعس باللبناني المحلي يعني المراوحة في الحالة نفسها مترافقة مع فقدان زمام المبادرة على التحرك بأي اتجاه بسبب فقدان اتجاه البوصلة أو سوء تقدير الموقف!

هذا العس الإسلامي والعربي والوطني القطري يمكن أن يمر دون كوارث أو حوادث كبرى أو مفاجآت خطيرة إذا ما كانت الظروف ظروف سلم طبيعية، وستقتصر التداعيات على التنمية وهي وإن كانت مهمة أيضاً لكنها لا تظهر كارثيتها بصورة مباشرة، لكننا ونحن في حالة حرب حقيقية واستنزاف دموي وبشري مادي ومعنوي وفي منعطف لا نظير له في التاريخ المعاصر لا يجعل هذا العس غير محمود فحسب بل قد يكون وبالاً على الأمة أو سبباً في حصول كوارث وأزمات مستفحلة لا يُحمد عقباها.

ثمة قوى مسلحة تخريبية قوية ومقتدرة وذات أبعاد إمبراطورية،سمها إرهابية أو متطرفة أو عسكريتارية أو سمها ما شئت من التسميات تعرف بالضبط ما تريد وتفعل يومياً ضمن برنامج طويل الأمد واستراتيجية متكاملة وأهداف بعيدة المدى تسعى لتحقيقها، وتمسك بطرف من اللعبة وتدير مجموعة من الخطط والمشاريع ولا يضرها هذا العس الآن لأنها تشعر على ما يبدو أنها لم تعد قادرة على حسم الكثير من الملفات، وبالتالي فهي تعيش حالة انتظار اللحظة المناسبة للحسم وعند تحين لحظة اختلال ميزان القوى ستضرب ضربتها.

بالمقابل هناك قوى ممانعة ومقاومة، أو سمها ما شئت من التسميات كأن نقول عنها :تغرد خارج السرب الدولي أو خارجة على إجماع ما بات يعرف بالمجتمع الدولي، أو المتمردة على القانون الدولي. لكنها تمسك بالطرف الآخر من الخيط واللعبة وهي بدورها لها خططها ومشاريعها البعيدة المدى كما تعرف بالضبط ما تريد ولم يعد يضرها هذا «العس» أيضاً وإن كانت لا تستسيغه .

وكانت تتمنى الحسم وتحقيق الغلبة على الطرف الآخر، لكنها تشعر في الوقت الراهن أنها غير قادرة على الحسم لأسباب عديدة، وهي بالتالي بدأت تعمل أشبه ما يسمى «بالخلايا النائمة» التي تتهم بها خلايا العمل القاعدي المنتشرة في العالم، وتنتظر بدورها هي الأخرى اللحظة المناسبة لاختلال التوازن لصالحها لتضرب ضربتها وتحقق الأهداف المنشودة الموضوعة ضمن استراتيجيتها.

وحدهم العرب سواء الأنظمة أو النخب أو العامة من الناس إلى حد ما، والعرب هنا إنما أضعهم بالإجمال كمحصلة للعمل العربي المشترك سواء الذي يتبلور بالجامعة العربية مرة أو في منظمات المجتمع المدني مرة أخرى أو النخب المنتشرة في أكثر من ساحة وعلى أكثر من مستوى مؤثر يعطون الانطباع للعالم وكأنهم «المتفرجون» الأكثر انتشاراً في ميادين السباق والذين يدفعون الأثمان الباهظة لبطاقات أو تذاكر السباق دون حتى أن يعرفوا أو يسمح لهم أو حتى يبذلوا هم الجهد المطلوب والمناسب لتشجيع الفريق الذي قد يتصورون أنه المناسب لهم والمطلوب أن يربح الرهان مثلاً.

إنهم فقط وفقط يتصرفون وكأن المطلوب منهم أن يُعددوا مواصفات الفريقين المتنافسين أو يشرحوا نقاط ضعفهما أو قوتهما وفي أحسن الأحوال يعربون عن قلقهم من احتمالات أن يفوز هذا الفريق أو ذاك وما قد يترتب على أي الفوزين من تداعيات ونتائج كارثية عليهم ـ أي على العرب ـ لا سيما إذا كان الفوز بالضربة القاضية!

وهم يذكروني في حالتهم هذه بتلك العبارة الشهيرة التي سمعت انها مكتوبة على قبر أحد المغدورين في تاريخ الإسلام من الشخصيات المثيرة للجدل على يد أحد الولاة والحكام المثيرين للجدل أيضاً ولا أدري إن كان فعلاً ذلك موجودا أو مجرد قول مشهور متناقل لكنه في كل الأحوال ينطبق على حالة أمتنا العربية المستضعفة، والقول هو:

«هذا قبر حجر بن عدي رضوان الله عليه قتله سيدنا معاوية رضوان الله عليه»، ولسنا هنا بصدد تقييم التاريخ القديم بل بعيداً عنه تماماً ولكن تماهياً مع القول الآنف الذكر يمكنكم رسم جردة متكاملة لأهم وأبرز المواقف والتصريحات العربية تجاه أبرز ما يجري في بلادنا أو من حول بلادنا فستجدون أنها أشبه بذلك القول التاريخي، فنحن في بلاد العرب قلقون من دورة العنف وندينها!

وقلقون من احتمال نشوب حرب جديدة وندينها، وقلقون من استمرار النزاعات الإقليمية وندين عدم التوصل إلى حل لها، وقلقون من تطورات الملف النووي الإيراني وندين كل التعقيدات التي تفاقم الوضع ولا توجد حلولاً سلمية له، وقلقون من النزاع المدمر في دارفور وندين عمليات الإبادة التي تحصل هناك وقلقون من تفاقم الاقتتال في الصومال وندين قتل المدنيين والأبرياء، وقلقون من تفاقم القتل والقتل المضاد في العراق.

ومن حروبه المذهبية والطائفية ونحذر من التقسيم والحروب الأهلية التي تنتظر هذا البلد العزيز وشعبه وندين فرق الموت ومشعلي الفتن والحروب فيه من داخليين وخارجيين ونريد للعراق أن ينتصر على أعدائه، وقلقون بالطبع على مستقبل لبنان ولا نريد له أن ينجر إلى ما حصل في العراق ونرفض وندين أي مؤامرة ضده ونريد له الخير كل الخير، وقبل ذلك وبعده نريد السلام لفلسطين وكل دول المنطقة والحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وعودة مقدساته إليه وعودته إلى مقدساته وندين كل الأعمال المناهضة للأعراف الدولية ضده ونريد إنهاء النزاع وصناعة السلام والتطبيع مع إسرائيل بعد أن تطبق القرارات الدولية الخاصة بحقوق الشعب الفلسطيني المظلوم.

وهذا الكلام بدوره يذكرني هو الآخر بكلام شهير وطريف لرشيد كرامي رئيس وزراء لبنان ـ المقتول غدراً ـ والذي يؤخذ عليه في نفس السياق عندما كان يردد أثناء الحرب اللبنانية المقيتة «لمصلحة ما فيه مصلحة هذا البلد» لكنه لم يعرف ولا مرة ما هو مفهومه أو تعريفه لمصلحة البلد وهو العاشق الحقيقي والصادق لمصلحة لبنان.

كما يذكرني بالبرنامج الإذاعي الشهير لزياد الرحباني ابن السيدة فيروز والذي كان ينتظره الناس مع بزوغ كل فجر جديد في أيام الحرب اللبنانية المقيتة، وبرنامجه هو: « بعدنا طيبين قول الله» عندما علق ساخراً في إحدى الحلقات على إجماع الدنيا كلها على وحدة وسيادة واستقلال لبنان، بمن فيهم ممثل أصغر كتلة لبنانية، ومع ذلك كانت وحدة وسيادة واستقلال لبنان تنتهك يومياً ومن قبل الجميع ولا من معين.

فماذا يفيدنا الموقف الهلامي العام؟ وماذا يفيدنا الموقف الوصفي العام؟ وماذا يفيدنا الموقف التشريحي العام؟ وماذا يفيدنا الموقف التحليلي العام؟ دون أن نسمي الأشياء بأسمائها أو أن نقدم المبادرات الجريئة والشجاعة التي تخرج بلادنا وأمتنا وشعوبنا وأقطارنا من الأزمات المتفاقمة ومن حالة «العس» الغامضة والاستنزافية الطويلة الأمد؟!

المطلوب كلام واضح يضع النقاط على الحروف ويسمي الأشياء بأسمائها ويقدم الحلول المناسبة لكل أزمة أو نفتح جبهة ثالثة بكل شجاعة وجرأة وندافع عن تحليلها ومواقفها وتقديراتها ونضع الناس والتاريخ يحكمون بيننا للتاريخ بعيداً عن «العس» المفروض والذي قد يكون واحداً من أهم أسباب استمراره هو موقف «المتفرجين» منا.

كاتب إيراني