حينما يكون الحاضر قوياً بشكل لا يترك مجالاً، للتريث أو المجاملات، لابد وأن تكون الاستجابة بشكل أقوى، أو ربما بشكل، هو أقرب إلى الصدمة، قد تكون هذه الصدمة كهربائية، أو نووية، إلا أن تكون بقفاز من قرار واضح، هذا، ما لم تتعود الحكومات العربية، على مدى نصف قرن من الزمان، أن تتوقعه من القمة الإدارية، للمؤسسة الحكومية، أن تكون الصراحة، الشفافية. من قبل هرم السلسلة التنفيذية هذا ما لم يكن متوقعاً حسب الاعتقاد السائد من قبل وسائل الإعلام، سواء المرئية أو المقروءة منها.

كان الجميع ينتظر، ذلك اللقاء التاريخي، بين القيادة السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية، ذلك اللقاء بين المحب للوطن والعامل الذي ظل يعمل على مدى ثلاثة عقود من الزمان، لتحقيق حلم الإنسان في وطن يسعد به من خلال العدل والتربية والصحة، كانت الأنظار تتجه نحو العاصمة الاتحادية.

في ظل وجود قمة الدولة الاتحادية، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، ذلك الإنسان الذي تربى في مدرسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، المؤسس الأول للدولة الاتحادية، ذلك الإنسان الذي آمن أن المال، هو الوسيلة لرفاهية الإنسانية، سواء الإماراتي أو الخليجي أو العربي أو الإنسان بشكل عام، المهم أن يسعد الإنسان في حياته، وأن الهدف من الحياة سعادة الإنسان، وكان صادقاً في كل توجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وأما سنده الحقيقي، فهو ذلك الفارس القادم من مدينة الأحلام منذ ثلاثينات القرن الماضي، حفيد الشيخ سعيد آل مكتوم، ذلك الإنسان الذي حلم في خلق مدينة التجار، والعمل نحو إسعاد الإنسان الذي يقيم على أرض الإمارات، والذي قام الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، بوضع الصورة المستقبلية، لأرض البشرية في مدينة لم يكن يعرفها إلا سكانها من البشر، بضع مئات من البشر إلا أن الرؤية كانت واضحة للآباء المؤسسين من القيادات السياسية، في الدولة الجديدة، والتي كانت التحدي الجديد، في ظل الهزيمة العربية والإسلامية، إن الإرادة والعزيمة لتحدي البقاء والتأكيد على نموذج جديد من التنحية هي التي أكدت على استمرار التحدي.

كان الزمن على موعد مع القيادات الجديدة من أبناء البحر والصحراء، ذلك التحدي، الذي أثبت على استمرار الوقت أن الحاجة هي التي تخلق الإنسان المبدع، الإنسان ذو الرؤية المستقبلية. كانت المفاجأة الأولى، حينما أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بن سعيد آل مكتوم، أن الوقت قد حان للتحدث بالسياسة، حينما أصبح ولياً للعهد لإمارة دبي، في ذلك اللقاء الأول بين السياسي محمد بن راشد وإخوانه المواطنين من المتعلمين والمثقفين والاقتصاديين على شواطئ الجميرة الجميلة، حين أعلن أنه سيكون السياسي بعدما كان عسكرياً لا يتحدث في السياسة.

عقد من الزمان، يزيد أو ينقص، إلا أن ذلك الفارس كان يخطط للمستقبل، يفكر بعقلية القرن الجديد وبمتطلبات القرن الجديد، هذا القرن الذي يتطلب التغيير سواء بالإرادة المحلية أو الدولية، حين ذاك قال «إن لم نتغير سوف يتم تغييرنا» وهي نظرية واقعية للعالم الجديد، لابد في ظل «العولمة» فمن لا يتابع التحولات الدولية فسوف يظل في قاطرة القرن الماضي، بمعنى أنه سيكون جزءاً من العالم القديم.إن الانتقادات الموجهة للمرحلة السابقة لا تعني إن هنالك موقفاً سلبياً منها، إلا أنها دعوة إلى التجديد نحو آفاق المستقبل، وأن حلم الآباء المؤسسين يتطلب العمل بقوة، نحو المستقبل، نحو الغد الجديد.

كنت بعيداً عن أرض الوطن، في الرياض أشارك في حفل توزيع جائزة الملك فيصل للمبدعين من العلماء سواء من الوطن العربي، أو الأوروبي، أو العالمي، والذي يؤكد على أن الجزيرة العربية، تكرم الإنسان مهما كانت، ديانته أو فكره، إلا أن المهم أنه يقدم الجديد للبشرية، وفي الوقت ذاته كانت مشاعري في الوطن، مع اللحظة الإنجازية للحكومة الجديدة، بقيادة جديدة لمرحلة جديدة لمرحلة الشباب، أو لتلك البشرية من شمال الوطن وجنوبه، وشرقه وغربه.

كانت الاستراتيجية، هي الخطة الأولى، على مدى ثلاثة عقود من الاعتماد، على رؤيته المؤسسية، إلا أن القرن الجديد بحاجة إلى رؤية جديدة، في ظل ألفية جديدة إلى قيادة حاسمة تنظر إلى الوطن، أنه الأمل بين الأطياف التي تشكل قوس قزح جديدا، في ظل الفارس الجديد، والحكيم الذي يرفع ولا يزال يرفع راية الأب المؤسس.

كانت المرة الأولى التي يتم فيها الحديث، وبشكل صريح حول القضايا الوطنية التي تهم الإماراتيين بشكل أساسي، وبشكل غير مباشر لكل من يقيم على هذه الأرض، الواحة التي توفر العمل والاستقرار والعدالة والأمن للجميع، إلا أن ذلك لا يعني بشكل من الأشكال عدم الحديث عن بعض السلبيات، في مرحلة لا يمكن السكوت عن ذلك، تحول الهمس الخافت إلى صوت عال، والمتحدث هو ذلك الإنسان الحالم بأن يكون وطنه وإنسانيته يحتلان المركز الأول، ليس على المستوى المحلي، أو الإقليمي، إنما العالمي، لمَ لا؟ ألم يكن الإنسان العربي هو القائد والباحث والمنتج في مرحلة من مراحل تطور الحضارة الإنسانية؟.

إذا كانت كل الإمكانيات المادية والمعنوية متوفرة، فلماذا لم يتم الإنجاز. إذن هنالك خلل لابد من معالجته، وبصورة واضحة، وصريحة فمن لا يستطيع الإنجاز في ظل المعطيات الجديدة. وقدم كل ما يستطيع أن يعطيه للوطن، عليه أن يترك الساحة للجيل الجديد، وأن ينعم بالراحة والاستقرار، ولا يكون جزءاً من المعوقات التي لا تخدم التقدم ولا الوطن، وهذا لا يعني أن المجتمع قد تنكر له وللدور الذي قام به، بل على العكس من ذلك أن كل التقدير له، أما إذا قام بعكس ذلك فهو لا يدرك أن لكل زمان رجال وقيادات ورؤية جديدة.

إن من يستطيع مواكبة المعطيات الجديدة، ويعمل على تطوير ذاته وإمكانياته، فمجال العمل ما يزال مفتوحاً وإلا فإن عجلة التقدم والتطور لا ترحم أحداً مهما حاول أن يقاوم.إن الإمارات مقبلة على مرحلة جديدة ودولة جديدة، ورؤية تتطلب من الجميع الاستعداد، والعمل ضمن الرؤية الجديدة، والعمل الجماعي، سواء في قمة الجبل أو في المناطق المختلفة منه.إن الألفية الجديدة هي مرحلة جديدة وعمل جديد، هي مع التقدم والتطور والقضاء على البيروقراطية ومع العالم الجديد.

ومن هنا كان التركيز على العدل والتعليم والصحة، والتأكيد على أن لا أحد مهما كانت مكانته الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية بعيد عن المساءلة، لم يعد هنالك مجال لغير العمل والكفاءة والإنجاز في ظل المرحلة الجديدة، لدولة الإمارات العربية المتحدة في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وحكومة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وبمساندة من حكام الإمارات ذوي الرؤية الجديدة، لمجتمع جديد هو المستقبل والأمل.

لنتذكر جيداً أن السابع عشر من أبريل سنة 2007 هو بداية تاريخ جديد في دولة الإمارات. تاريخ لانطلاقة جديدة. لا تقل أهمية عن تلك التواريخ المهمة في ماضي هذا الوطن العظيم الذي كانت انطلاقته الأولى في الثاني من ديسمبر من عام 1971. والمسيرة مستمرة بزخم وإرادة لا تعرف المستحيل، ولا ترضى إلا أن تكون في المقدمة.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

malmutawa@albayan.ae