تطور جديد يعزز التوجسات والشكوك، ناهيك بالمخاوف، في بغداد الجيش الأميركي بدأ قبل أيام ببناء جدار طوله حوالي 5 كلم بعلو 12 قدماً؛ للفصل بين منطقة الأعظمية السنية بمعظمها؛ وبين المناطق الشيعية المحيطة بها، وينتهي العمل به مع نهاية الشهر الجاري، الحيثيات المتداولة أن الظروف الأمنية اقتضت إقامة هذا الحاجز لمنع تسلل الانتحاريين وفرق الموت إلى المنطقة، يعني مشروع عزل لضبط الأمن والقضاء على العنف.
في ضوء ظروف العراق الأمنية المعروفة والتي خرج فيها النزف الدموي على كل الضوابط والموانع، يمكن فهم وتبرير أية خطوة لوقف شلال الدم، فذلك بات ضرورة لا تقبل التأجيل، هنا في المبدأ الغاية قد تبرر الواسطة، لكن السؤال: هل هذه الواسطة ـ الجدار ـ قادرة على تحقيق الغاية ـ الأمن ـ ؟
ثم هل يتقبل واقع الحال في بغداد مثل هذه الخطوة من دون مضاعفات سلبية تطيح بالأمن وبوحدة المدينة؟ أي هل هو فصل أمني أم المدماك الأول في عملية تؤسس للانفصال؟
السؤال مشروع. بل هو يفرض نفسه. المعطيات القائمة على الأرض تستحضر مثل هذا التوجس والتخوف. فالعاصمة العراقية ـ وهي صورة مصغرة عن حال البلد ـ تعيش حالة انقسام وفرز، أحياء ومناطق فيها باتت شبه مفرغة، بعد أن ضربتها موجة نزوح طائفي، شوارعها مزروعة بالحواجز الفاصلة، بقدر ما هي مسكونة بعمليات التصفية والتفجير.
«الخطة الأمنية» التي كثر الحديث عنها والمراهنة عليها لم تقو حتى الآن على الأقل، على تحقيق إنجازات أمنية ملموسة. وحده الرئيس بوش يقول بالعكس، في آخر كلام له عن الموضوع! القوات الأميركية تقول إن الجدار يهدف إلى تجفيف منابع مثل هذه العمليات وسد المنافذ أمامها. ثمة مجازفة هنا، حتى ولو وضعنا النوايا جانباً.
إذا نجح هذا الجدار فإن التجربة تصبح محكومة بالتعميم في العاصمة وغيرها؛ واستطراداً بالتمديد. الترجمة العملية تكون انفصالا مديدا على الأرض، وإذا فشلت فإنها تصبح أيضاً محكومة بالتصعيد العزلي بين الطرفين؛ الأمر الذي قد يقود إلى خطوات أكثر تعميقاً للتباعد بينهما، مثل تزايد موجات النزوح وربما التطهير السكاني.
وفي الحالتين تكون أرضية الكنتنة أو البلقنة قد تأسست في أفضل الحالات، من شأن ذلك أن يؤدي إلى قيام أمر واقع تقسيمي مديد، ما من مرة قام فيها جدار فاصل في جسم موحد إلا وبقي لفترة طويلة، إن لم تكن محكومة بالتأبيد، كان ذلك حال جدار برلين، وما يشبه ذلك في قبرص؛ فضلاً عما هو قيد الإنشاء في الأراضي الفلسطينية المحتلة والمعروف «بالجدار العازل».
العراق منذ وقوعه تحت الاحتلال يعيش وضعاً أشبه بمشروع تفكيك، ما يحتاجه ليس المزيد مما يعزز هذا الواقع بل مما ينقضه، حتى ولو كان ذلك بداعي وقف العنف واستعادة الأمن، فالوضع الواحد أمنه واحد، الحواجز العازلة في العراق لا تقضي على العنف بل تغذيه؛ لأنها تزيد في حقن العصبوية بدلاً من إضعافها.بالنهاية المشكلة أبعد من العنف، الذي ليس أكثر من التعبير المأزوم عنها.