العنصر النووي استقر بقوة في التفاعلات السياسية والاستراتيجية في الشرق الأوسط وتحديدا في أهم ملفين ساخنين في المنطقة: الصراع العربي الإسرائيلي والإيراني الغربي، ولو اختلف موقع النووي ووضع القوة المعنية نوويا في كل من الملفين.
إسرائيل هي القوة النووية التاسعة في النادي النووي الدولي إلى جانب القوى الخمس الكبرى التي أعطت ذاتها الشرعية النووية وكرست هذا الأمر في إطار معاهدة حظر الانتشار النووي، والهند والباكستان وكوريا الشمالية، ولو أن إسرائيل ترفض الاعتراف بامتلاكها للقدرة النووية وهي التي تمتلك في اقل تعديل مائتي رأس نووي.
إسرائيل التي اعترف في ديسمبر الماضي رئيس وزرائها أيهود أولمرت بكونها عضوا في النادي النووي فيما اعتبر انه زلة لسان واعتبره بعض المراقبين بأنه بداية تغيير في استراتيجيتها الردعية نحو تبني استراتيجية الوضوح النووي، تتبع منذ اليوم الأول، استراتيجية تعرف بالردع بواسطة الغموض أو حسب أدبيات الاستراتيجيات النووية، باستراتيجية »القنبلة في الملجأ«.
وللتذكير فإن »زلة اللسان« لم تكن الإعلان الأول »الرسمي« عن امتلاك الخيار النووي الإسرائيلي فقد سبق إلى الإعلان عن ذلك افرايم كاتسير عام 1974 وموشي دايان عام 1981 إلى جانب بالطبع ما كشفه موردخاي فانونو عام 1986. من سمات استراتيجية إسرائيل في هذا المجال أيضاً ما عرف بمبدأ بيجين والذي كان وراء ضرب المفاعل الذري العراقي. وقوام هذا المبدأ الاستراتيجي أن إسرائيل لا يمكن أن تسمح بوجود دولة نووية في الشرق الأوسط تهدد وجود إسرائيل.
وفي السياق ذاته كان شيمون بيريز »والد« الخيار النووي الإسرائيلي يردد باستمرار في التسعينات انه لولا وجود هذا الخيار في إسرائيل لما ذهبنا إلى أوسلو الأمر الذي يعني ان الاطمئنان الذاتي الكلي الذي يوفره النووي يسمح بالتوجه نحو السلام حسب هذا المنظور. ولكن رغم ان إسرائيل ليست عضوا في معاهدة حظر الانتشار النووي إلا أن وضعها النووي يمكن وصفه بالمسكوت عنه دوليا من قبل البعض أو بالقبول الضمني من قبل البعض الآخر.
وإذا كان العنصر النووي يشكل البعد الاستراتيجي العسكري في الصراع العربي الإسرائيلي وهو ليس بالعنصر الساخن في إدارة أو تسوية هذا الصراع بسبب طبيعة هذا الأخير بمختلف عناصره المشتعلة والضاغطة فإن العنصر النووي وهنا المفارقة في الحالة الإيرانية يختصر عند البعض كل الصراع مع إيران وهو عنوان لهذا الصراع أو يشكل في الحد الأدنى المصدر الرئيسي والأساسي للعلاقة النزاعية أو الخلافية الإيرانية الغربية وذلك حسب تعريف كل طرف.
المفارقة أيضاً هو أن إيران ما زالت في بداية الطريق ورغم أنها تعلن رسميا كل يوم أنها غير معنية بالخيار النووي العسكري وهي العضو في معاهدة حظر الانتشار النووي، فإن إعلانها مؤخرا عن نجاحها بتخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي قد رفع من منسوب التوتر في العلاقات الغربية الإيرانية، وزاد من ذلك بالطبع دخول إسرائيل بقوة على هذا الخط.
وزادت مع هذا الإعلان التحليلات الغربية المختلفة حول الزمن المتبقي، والذي يتراوح بين 3 و10 سنوات حسب تقديرات مختلفة، لامتلاك إيران للنووي العسكري.في حين يقع النووي الإسرائيلي في »خلفية« الملف الفلسطيني يحتل العنصر النووي واجهة النزاع الإيراني الغربي وهو بالنسبة للبعض الشماعة التي تعلق عليها عملية تطبيع العلاقات الغربية الإيرانية. الجديد في الأمر التحول العربي الواسع والمعلن عنه لامتلاك القدرة النووية المدنية الأمر الذي يفتح الباب بالطبع أمام التحول بعد ذلك ولو ضمن شروط معقدة وغير سهلة وتختلف من دولة إلى أخرى نحو النووي العسكري.
الشرق الأوسط اليوم في أزماته المترابطة والمشتعلة يشهد دخول العنصر النووي بقوة ليس كخيار عسكري بالضرورة في المرحلة الأولى، استراتيجيات اللاعبين الأساسيين في المنطقة أو الطامحين للعب دور أساسي، بل أيضاً كجزء أساسي مكون وصانع للمكانة الإقليمية التي تسمح بدخول نادي اللاعبين الإقليميين الكبار. ويبدو أن الشرق الأوسط على أبواب الدخول في سباق نووي مكلف ولكنه أيضاً جزء من سباق الحصول على المكانة والضمانة.
والجديد والمثير حاليا ما بدأ يتسرب، أمام التناقض الفاضح المتعلق بسياسة الكيل بمكيالين في محاولة منع إيران من الحصول على النووي المدني من جهة والقبول بإسرائيل قوة نووية عسكرية وحيدة في المنطقة من جهة أخرى،حول صيغة قوامها تشجيع إسرائيل ضمن ما يعرف بالصفقة الكبرى على ان تعلن عن ذاتها كقوة نووية »رسمية« قديمة مقابل انضمامها إلى معاهدة حظر الانتشار أسوة بالقوى الخمس الكبرى المؤسسة للمعاهدة.
وذلك كعضو »شرعي« في النادي النووي، وهو ما يناقض المعاهدة إلا إذا اعتبرنا أن انضمام إسرائيل إلى المعاهدة يأتي وكأنه ذات اثر رجعي لأن اعتبارها جزءا من »النادي الخمس« بإضافتها إليه يتطلب التفاوض من جديد على هذه المعاهدة وتعديلها والتصديق عليها وهو ما يثير اعتراضات عديدة ويجعل هذا الأمر مستحيل الحصول.
فالانضمام إلى المعاهدة أسوة بباقي دول العالم، يتطلب التخلي عن السلاح النووي. وبالتالي فإن انضمام إسرائيل يفترض تخلي هذه الأخيرة عن سلاحها النووي. ويبرز في هذا السياق مثال جنوب إفريقيا التي تخلت كليا عن برنامجها النووي العسكري. وللتذكير أيضاً فيما هو مثير في التاريخ النووي في الشرق الأوسط هو أن إسرائيل كانت أول دولة اقترحت على إيران منذ عام 1958 فكرة إقامة مفاعل نووي عندما كانت العلاقات تتسم بالصداقة الاستراتيجية بين الطرفين.
بقدر ما أن العنصر النووي يزيد في تعقيده لصراعات المنطقة وقد يزيد في سباق التسلح وفي رفع مستوى التوتر، وبقدر ما انه من غير الممكن إن لم يكن من المستحيل، إرساء سياسة الكيل بمكيالين فيما يتعلق بإسرائيل وإيران رغم الفارق الشاسع أيضاً بين »الحالتين النوويتين«، فإن التسوية المطلوبة والحاسمة للملف النووي.
وهي تسوية يفترض أيضاً أن تشارك في بلورتها بقوة القوى النووية الخمس الكبرى، تقوم على إنشاء شرق أوسط خال من كافة أسلحة الدمار الشامل وذلك عبر دفع إسرائيل لاعتماد نموذج جنوب إفريقيا. فمن غير الممكن، حتى في حالة قيام سلام شامل ودائم في المنطقة وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، من غير الممكن قيام ميزان استراتيجي مستقر ومطمئن في المنطقة إذا لم يتم تخلي إسرائيل عن قدراتها النووية العسكرية.
كاتب لبناني