غداً يوم جديد في سورية ومسيرتها الديمقراطية. وبكل الواقعية والموضوعية يجب أن ننظر إلى انتخابات مجلس الشعب، والحملات الانتخابية التي سبقتها وبالبرامج الانتخابية الشحيحة التي تابعها المواطن السوري بشيء من الحذر حيناً، والريبة أحياناً وبالحماسة في أحايين.
وبالموضوعية والواقعية أيضاً، يجب علينا النظر والتمعن بالتجربة الديمقراطية السورية، وربما مقارنتها بالديمقراطيات الكبيرة في العالم، بدءاً من مولد الديمقراطية في أثينا الإغريقية وصولاً إلى الديمقراطيات الغربية والشرقية من الولايات المتحدة إلى الهند.
فإذا كان الإغريق قد أهدوا البشرية أول ديمقراطية معروفة في التاريخ، فإن الشعوب على مرّ القرون طورت تلك الديمقراطية وحدثتها بهذا الشكل أو ذاك وأخذ كل شعب الشكل والمقاس الذي يناسبه وينسجم مع ثقافته وحضارته وتركيبته وشرائحه وبنيته الاجتماعية، ومفاهيمه وتطلعاته.
ولا يمكننا أن نبخس العرب حقهم في الإشادة بما قدموه من إسهامات في ممارسة الديمقراطية «وأمرهم شورى بينهم» وأمثلة التاريخ أكثر من أن تحصى.
ونحن في سورية أولاد حضارة متصلة عمرها عشرة آلاف عام، عرفنا كل أنواع الحكم والديمقراطيات على مرّ التاريخ، ولنا إرث هائل من التجارب الغنية في مجالات الحياة كافة، ولنا خصوصية تميزنا من غيرنا في عالم اليوم، ومن هذا الإرث الثرّ، ولدت هذه الديمقراطية منذ ثلاثة عقود والقائمة على التوافق والحرية والاعتراف بالآخر، وبإعطاء العملية الديمقراطية بعدها الشعبي بما يحقق العدالة والتوازن بين شرائح المجتمع كافة دون أن يشعر أحد بالغبن أو الإجحاف أو التهميش.
قد لا تحظى «الديمقراطية السورية» برضا بعض الدول والإدارات في العالم، لكننا بالمقابل نستغرب ـ وهذا حقنا ـ ديمقراطيات كبرى تمارس ديكتاتورية مفضوحة على شعبها موجهة طعنة نجلاء للممارسة الديمقراطية، وتعمل على اغتيال الرأي الآخر مكرسة بكل وضوح ديكتاتورية الحاكم أو الفريق الحاكم على المؤسسة الديمقراطية المنتخبة شعبياًَ، حتى لو كانت تمتلك الأغلبية.
طبعاً المقصود هنا ما يجري في الولايات المتحدة التي تفاخر بأنها أحد حصون الديمقراطية في عالم اليوم، بل تشن الحروب التدميرية ضد الشعوب المسالمة تحت «يافطة» نشر الديمقراطية.
فإدارة الرئيس جورج بوش التي فقدت الأغلبية التي كانت تتمتع بها في مجلسي الكونغرس، لاتزال تظن أنها تمتلك تلك الأغلبية، وتمارس دور الشرطي الذي يهوي بهراوته على كل من يخالفه الرأي.
فممنوع على الديمقراطيين «نسبة للحزب الديمقراطي» أن يعبّروا عن رأيهم كأن يقولوا: إن الحرب الأميركية على العراق خاسرة، كما حدث منذ يومين، وهذا ما أثار غضب ساكن البيت الأبيض فأوعز للناطقين باسمه وبلسان المحافظين الجدد ليشنوا حملة تنديد بالديمقراطيين لأن قول كلمة الحق ممنوع في عُرف إدارة بوش، ومحظور على الأميركيين في ظل «ديمقراطية أثينا الحديثة» التي يمارسها المحافظون الجدد، أن يوجهوا انتقادات إلى «أسياد» القرار في الولايات المتحدة.
وقبل ذلك، تجاهل «حماة الديمقراطية» أنفسهم تقريراً جريئاً، أعدته لجنة بيكر ـ هاملتون المؤلفة من ممثلين عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ينتقد الحرب على العراق ويوصي بالحوار مع سورية وإيران.
وحاول صقور واشنطن الذين يتاجرون بشعارات الديمقراطية والحرية أن يمنعوا وفوداً نيابية أميركية من زيارة سورية، وبذلوا جهوداً جبارة في سبيل ذلك، بل وجهوا أشد عبارات الانتقاد والإدانة لممثلة الشعب الأميركية السيدة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب، لأنها زارت سورية والأغرب أنهم انتقدوها بشدة لأنها قالت: إن سورية تريد السلام.
«ديمقراطية أثينا الجديدة» تذكرنا بديمقراطية أثينا الإغريقية، أي ديمقراطية الأسياد فقط، وهنا يظن بوش والمحافظون الجدد أنهم هم الأسياد وبقية الشعوب، بل حتى الشعب الأميركي، من طبقة العبيد التي لا يحق لها التصويت والانتخاب والكلام، وما عليها إلا أن تنفذ إرادة هؤلاء الأسياد والمنتجبين الذين يمثلون إرادة الله على الأرض، وكأنهم «شعب الله المختار»!
فهل هذه هي الديمقراطية التي تفاخر إدارة بوش بها وتباهي، وتريد تصديرها إلى شعوب الأرض قاطبة؟ وهل الديمقراطية ـ وليعذرنا الشعب الأميركي ـ هي تلك التي يتوالى على الحكم من خلالها حزبان لا ثالث لهما منذ الاستقلال وحتى اليوم؟
معاذ الله أن نكون في طرحنا هذا ننتقد طريقة الولايات المتحدة الأميركية في ممارسة ديمقراطيتها المعقدة أكان في انتخابات الكونغرس، أم في الانتخابات الرئاسية، «فلكل شيخ طريقته»، ولكل شعب حقه في انتهاج الديمقراطية التي تنسجم مع واقعه وثقافته وخياراته، ولكن من حق الشعوب كذلك، أن تختار ديمقراطياتها التعددية التي تنسجم مع ثقافتها وحضارتها وإرثها وبما يحقق العدالة الاجتماعية لكل فئات الشعب وأطياف التنوع السياسي.
الشعوب تعرف طريقها وتختاره بملء إرادتها، وتمارس ديمقراطيتها التي تنسجم مع أفكارها وتطلعاتها وطموحاتها، والديمقراطية تنبع من داخل الدول ولا تستورد في عبوات أميركية معدّة للتصدير إلى الشعوب، والتي تنقلها حاملات الطائرات والبوارج والصواريخ العابرة للقارات والقنابل الذكية التي تغتال أحلام البشر قبل أن تحصد أرواحهم.
وشعبنا الذي يتجه غداً إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليه في مجلس الشعب يمارس «الديمقراطية السورية» وعلى الطريقة السورية وبما يحقق الأهداف الوطنية والقومية وبما ينتج مجلساً متجانساً يمثل كل شرائح المجتمع وفعالياته السياسية والاقتصادية، لكن هذا الشعب يرفض «هدايا الديمقراطية » الأميركية التي هبطت على أفغانستان والعراق، ويرفض ديمقراطية أثينا الجديدة، ديمقراطية الأسياد، لأنه شعب حرّ سيد شب على الطوق، وحارب العبودية عبر التاريخ، ولا يقبل بالإملاءات والأوامر ومحاولات التدخل في شؤون بلده الداخلية.
غداً موعد جديد في يوم جديد في مسيرة سورية وفي عملية ديمقراطية، الغلبة فيها للحرية، وفي الغد القريب سنكون على موعد مع خطوة جديدة ومهمة في الديمقراطية على الطريقة السورية.