تتواصل عمليات سفك دماء العراقيين وتدمير أملاكهم وتخريب ما تبقى من بناهم التحتية ومرافق الخدمات العامة بما في ذلك المدارس والجامعات والمشافي على نحو يصعب على اي احد مهما كانت توجهاته ومرجعياته السياسية او الفكرية او الدينية او الاجتماعية انكار ان ما يجري لا يأتي عفوياً او انه مجرد حوادث متفرقة او عمليات عشوائية يراد بها اسقاط الحكومة العراقية او احراجها او مقاومة الاحتلال الاجنبي او مجرد اشاعة الارهاب واحداث الفوضى واخذ العراق وشعبه الى المجهول.

ليس فقط هذا الذي تقصده جماعات الارهاب والتكفير وتلك المرتبطة بالدول او الاجهزة الاجنبية بل ان ما يهدفون اليه - في جملة ما يهدفون - هو تدمير العراق الوطن والشعب والتاريخ والحضارة وتحويله الى ساحة لتصفية الحسابات السياسية او لتحسين شروط التفاوض او لمنع الحرائق من الامتداد الى ساحات اخرى لا مصلحة لها (حتى الآن) في احراقها وتحويلها الى مختبرات تجارب سياسية او عسكرية او لإقامة معادلات جديدة او لإحياء محاور وتحالفات واصطفافات اخرى تقوم مقام الحالية او توسع او تقلص منها.

ما يجري في العراق مأساوي وكارثي بكل المقاييس ولعل ما جرى يوم الاربعاء الاسود الماضي عندما قضى اكثر من مئتي قتيل وجرح اكثر من ذلك العدد بكثير وكان معظم الضحايا من المدنيين والاطفال والنساء على وجه الخصوص وهو ما تحدثت عنه وكالات الانباء والاحصاءات الرسمية يؤكد في شكل واضح ما ذهبنا اليه وكيف لم تفلح الخطة الامنية الجديدة في الحد من هذه العمليات الاجرامية .

والتي اتخذت اساليب وتقنيات جديدة خرج فيها المخططون والممولون والمنفذون لهذا الجنون الدموي على كل الاعراف والتقاليد والاخلاق وأي وازع ديني ولم يعودوا يتوقفون او يحاولون مراجعة انفسهم حتى عندما تصاب كل هذه الاعداد الهائلة من الاطفال والنساء في هجماتهم وسياراتهم المفخخة التي لا تعني سوى انهم يحاربون ابناء شعبهم ويريدون تصفية حساباتهم مع المدنيين العزل والابرياء الذين يطحنهم الفقر والجوع والفاقة وتنعدم في حياتهم البائسة ابسط مقومات الحياة ويفتقرون الى ادنى الخدمات الحياتية الاساسية..

واذا كانت الآفاق السياسية الداخلية قد بدت في الآونة الاخيرة مسدودة او متوترة جراء الاحتقانات والاتهامات المتبادلة بين القوى السياسية والحزبية العراقية ما يشارك منها في الحكومة القائمة ام أولئك المنخرطون في العملية السياسية من خلال الجمعية الوطنية فان الفرصة لم تفت امام العراقيين للتوافق على صيغ جديدة او معدلة او تفعيل ما هو قائم .

شريطة ان تتم مراجعة شفافة ودقيقة وشجاعة لمجريات ووقائع الاشهر الماضية ويتم تلافي أية تقصيرات او هفوات كما وبالضرورة يجب ان يعاد النظر في سياسات الاستثناء او الاقصاء او الالغاء او الهيمنة او الاستحواذ التي سعت بعض القوى الى ابرازه في المشهد العراقي ظنا منها ان بمقدورها حكم العراق بمفردها وعبر شطب القوى الاخرى التي يجب ان تشارك كلها في القرار الوطني بديمقراطية وتعددية وحرية رأي في الوقت الذي تلتزم فيه عدم اللجوء الى العنف وترتضي مبدأ تداول السلطة على نحو سلمي وتتعهد صون وحدة العراق الترابية وشعبه بعيدا عن ممارسات طائفية او مذهبية او عرقية.