الجغرافيا المعزولة، كالجزر البريطانية واليابانية خلقت من مكونها البشري طاقة تحد مع المكان، وبالتالي كان الشعور بالخوف من غزو خارجي أن بنت كل من الدولتين اسطولهما الجبار الذي تحول من حامٍ عسكري إلى وسيلة توسع استعماري.
فالامبراطورية البريطانية ربما كانت أكبر دولة في العصر الحديث ملكت اتساعاً جغرافياً على الكرة الأرضية، وشكلت ما عرف بالامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس حين كان فارق التوقيت بين الشرق والغرب يلغي عامل هذا الغياب، غير أن الاستدارة الزمنية وتحول القوة إلى أميركا والاتحاد السوفييتي أعاد الانجليز إلى جزرهم واحتفظوا ببعض المواقع الصغيرة كالفوكلاند في الارجنتين وجبل طارق وبعض جزر لم تكن مأهولة ولكنها ذات موقع استراتيجي خدم نفوذها في التواريخ الماضية، وان ظلت احتياطياً عسكرياً لأي مغامرة أميركية.
اليابان قامت بنفس الدور لكنها ربطت عقيدة القوة العسكرية بعنصرية متطرفة حتى أن غزوها لدول آسيا كمنشوريا بالصين، وكوريا، والفلبين وغيرها ارتبط بحافز التوسع الجغرافي، وعقدة التفوق العرقي لدرجة أن المجازر التي صاحبت الغزو المجنون جاءت بسبب التربية الشوفينية التي اعتبرت تلك الشعوب مجرد خنازير صغيرة هي عبء على الحياة.
وكان الهاجس الآخر الشعور بالدونية من الغرب الذي أسس حضارة متقدمة ونظماً سياسية ساعدت على انتشار ثقافتها ونفوذها السياسي والثقافي حتى ان آثار الحرب العالمية الثانية عندما أجبرت اليابان على الاستسلام وتنازل الامبراطور هيرو هيتو عن ألوهيته، صاغت ياباناً اخرى .
حولت هاجس القوة إلى جعل المكان منطلقاً لتطور تقني واقتصادي حول عنصر الساموراي إلى طاقة متفجرة في الصناعة والبحث العلمي وتقديس نظام العمل مما أكسبها احترام الغرب الذي طالما نظرت إليه بتلك الدونية غير المبررة، لكنها أبقت على نظرتها، وإن لم يكن سلوكاً قائماً من مستعمراتها القديمة، في آسيا مما جعل العنصر الياباني مرحباً به كسائح وسلعة اقتصادية، ومكروه كإنسان ما زال يحمل تعاليه وكبرياءه..
العبرة هنا أن التحدي للدولتين المعزولتين بالمياه المحيطة بهما، استطاعت كل منهما أن تحول الإنسان إلى غاية عليا في التقدم المعرفي والعلمي مما وفر لهما طاقات خلاقة ذات إنتاج هائل وسلع تعوض خسائر الحروب إلى استثمار دائم..
نحن العرب لم نحول تحدياتنا إلى تحالف مع العلم حتى أن ما سمي بـ"الفجوة التقنية والحضارية مع إسرائيل" جاء كوسيلة رعب لم نحولها إلى وسيلة مبارزة كأن نجعل من أهم اهدافنا امتلاك التكنولوجيا وتطويرها بما يتلاءم مع امكاناتنا المادية والبشرية حتى ان الحروب الارتدادية للداخل كبديل أسوأ للانقلابات والتسلح واهدار قيمة الأرض والإنسان فيما يشبه الكفر بمبادئ حماية الوطن هي النكسة الكبرى لما يزيد عن نصف قرن من البؤس والشتات.