اعتبر كثير من المحللين السياسيين والكتّاب والإعلاميين المتابعين للشأن السياسي الإماراتي ذلك النقد العلني الذي وجهه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، خلال عرضه للاستراتيجية الاتحادية لعدد من وزراء الحكومة الاتحادية تحولاً واضحاً في العمل العام الإماراتي، ونظروا إليه على أنه بداية مرحلة حقيقية من الشفافية والمصارحة في التعاطي مع الوظيفة العامة والعمل العام في الدولة.
يمكننا النظر للأمر من هذه الزاوية فعلاً، خاصة وأن النقد كان حاداً، بحسب بعض المعلقين في وسائل الإعلام العربية والأجنبية، لكننا في الوقت نفسه نتساءل عن درجة الصراحة التي يمكن أن يمارسها المواطن العادي في نقده للممارسات، المواطن العادي الذي هو في الوقت نفسه موظف ومعلم ومحاسب ومراجع وطبيب ومريض ومتعامل في البورصة ومشاهد للتلفزيون وقارئ للصحيفة... الخ،
هؤلاء جميعهم مواطنون يتعاملون مع خدمات وشؤون عامة، فكيف يتسنى لهم قول رأيهم بصراحة حين تكون اجتهادات بعض الموظفين سواء الكبار منهم أو الصغار، خاطئة، ولها انعكاسات سلبية على الأفراد والمجتمع؟ ما هي الآليات والضوابط والقنوات التي يمكنهم عن طريقها أو من خلالها انتقاد أداء هؤلاء الموظفين وسياساتهم أو اجتهاداتهم الخاطئة؟ ولندع جانباً صناديق الشكاوى التي تضعها بعض المؤسسات والدوائر كديكور مكمل لأثاث المكان لا أكثر، لنبحث عن آلية أكثر جدوى وأكثر أماناً في الوقت نفسه!
لقد أعطى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مثالاً جيدا لطريقة النقد حين يكون عملياً وموضوعياً ومنطقياً ومثبتاً بالأدلة والبراهين، وهو حين وجه نقداً معيناً لبعض الوزارات أو الوزراء فإنما فعل ذلك من باب نقد الأداء لتطويره، ونقد الواقع بما هو عليه من تجاوزات تنعكس سلباً على مصالح الناس والدولة والمال العام، لم ينتقد لمجرد الانتقاد، ولم ينتقد بطريقة مزاجية خالية من المنطق والأدلة وقد قدم أدلة لمؤسسات خدمية تعاني فعلاً من تأخر في مستوى معاملاتها، قياساً بما هو مطلوب ومتوفر من امكانيات!
إنه في اليوم التالي لإعلان الاستراتيجية، كانت صراحة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حديث المجتمع كله، وقد استمعت لأطباء وموظفين كثيرين تساءلوا: إذا كانت لدينا ملاحظات ومقترحات فكيف نقول لها من أجل عمل أفضل ومؤسسات أرقى وبيئة عمل أكثر تحفيزاً؟ نحن ـ كما قال بعضهم ـ لا نستطيع أحياناً رفع صوتنا بالنقد أو الاعتراض، لأن النتيجة معلومة سلفاً إذا عرف المسؤولون في المؤسسة، وإذا ذهبنا للإعلام فليس كل ما نقوله ينشر، وإذا سكتنا اعتبر ذلك سكوتاً عن الحق، فما هي الآليات القانونية والآمنة للتعبير عن آرائنا واعتراضاتنا وتقديم مقترحاتنا حين يصرّ المسؤولون على رفض النقد والاعتراض ويمعنون في الحفاظ على مصالحهم فقط؟