هذه هي الانتخابات الرئاسية الخامسة التي أشهدها في فرنسا كمراقب «أجنبي» في ثلاث منها وكـ «صاحب صوت»، للمرّة الأولى في حياتي، له «وزنه»، في الرابعة... وبالطبع هذه الانتخابات أيضا. هذه المرّة ليست كالمرّات السابقة، هناك شيء مختلف. فالحملة الانتخابية «باهتة». هكذا وصفوها وهكذا هي. لقد غابت عنها النقاشات المعمّقة التي تهم مستقبل فرنسا والفرنسيين. لم يعد هناك اليوم ديغول ولا ميتران ولا حتى شيراك. إن «فرنسا تستحق أفضل»، هذه هي الجملة التي تتردد على أفواه الكثيرين مع بعض المرارة أحيانا على خلفية الحنين إلى الماضي، وحتى القريب منه.
فرنسا هي التي قالت «لا» للحرب الأميركية - الانجليزية الأخيرة ضد العراق. وفعلت كل ما استطاعت من أجل منع نشوبها. ولا يزال الفرنسيون يذكرون، والعالم كله يذكر، الكلمة التي ألقاها دومينيك دوفيلبان في الأمم المتحدة قبل أيام معدودات من انطلاق شرارة الحرب. كان يومها وزيرا لخارجية فرنسا، بل وكان «الناطق» باسم الإرادة الغالبة لدى شعوب العالم ومعظم دوله. وكان معبّرا قبل كل شيء عن النهج السياسي الذي اختاره الرئيس جاك شيراك، بوصفه المسؤول عن تحديد السياسة الخارجية للبلاد، كما ينص الدستور الفرنسي الذي يجعل رئيس الجمهورية صاحب القرار النهائي في ميدان السياسة الخارجية وميدان الدفاع أيضا.
هكذا ستكون السياسة الخارجية الفرنسية، وبعيدا عن الانتماء السياسي الحزبي، إحدى أولويات، بل ومهمات، الرئيس الفرنسي القادم، أو الرئيسة الفرنسية القادمة، وسيكون عليه، أو عليها، التفكير بمكانة فرنسا في العالم وتعزيز نفوذها على مسرح العلاقات الدولية. باختصار تشكل السياسة الخارجية، والسياسة الدفاعية فيما يخص قرارات الحرب والسلام، ميدانين مرتبطين «حصرا» برئيس الجمهورية فيما يخص القرارات الكبرى. ولكنهما الغائبان الكبيران عن الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية؟!
فماذا سيكون عليه موقف الرئيس الفرنسي أو الرئيسة الفرنسية، القادم أو القادمة، من مختلف القضايا المطروحة على العالم اليوم؟ وماذا سيكون نهجه، او نهجها، فيما يخص العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية؟ وماذا سيكون التوجه حيال أوروبا ومستقبل بنائها المشترك؟ وقبل هذا كله، وما يعنينا مباشرة، ما هي السياسة التي سيتم تبنّيها، ودفع الدبلوماسية الفرنسية باتجاه خدمتها، فيما يخص قضايا منطقة الشرق الأوسط «الملتهبة»؟ هذه هي بعض الأسئلة الجوهرية المطروحة على الرئاسة الفرنسية للسنوات الخمس المقبلة وستتحدد على ضوء إجاباتها عليها مكانة فرنسا و«صفها» في العالم.
لقد أرادت فرنسا دائما أن يكون لها مكانها في عالم زاخر بالتهديدات. كان الجنرال ديغول قد أكد على أن قوة فرنسا العسكرية تشكل أحد أوراقها الرابحة للمحافظة على موقعها المتميز في العالم. وكان يرى أن هذا الموقع يتعلق كثيرا بدورها في منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط. منطقة الشرق الأوسط وقضاياها غابت تماما تقريبا عن الحملة الانتخابية للمرشحين الرئيسيين. سيغولين روايال، المرشحة الاشتراكية، وحدها تحدثت عن ضرورة القيام مع الشركاء الأوروبيين بمبادرة عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط. أما المرشحون الآخرون فظل حديثهم عن المنطقة في إطار «العموميات».
وستكون مهمة رئيس فرنسا القادم، أو رئيستها القادمة، بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط في غاية الدقة، لاسيما في ظل «التراجع الكبير»، كما جاء في عنوان أحد الكتب الفرنسية قبل أشهر قليلة، الذي عرفته سياسة الرئيس جاك شيراك، من موقف المعارضة الصريحة «وجها لوجه» حيال سياسة الإدارة الأميركية الحالية إلى موقف «المهادنة» قبل التعاون الصريح معها فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، وخاصة الملف اللبناني.
ومسيرة التوحيد الأوروبي، أوروبا الغد، غابت أيضا إلى حد كبير عن الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية. هذا رغم أنها تشكل دون شك، أحد الرهانات الأساسية بالنسبة لفرنسا، بل ربما أنها تشكل الرهان الذي يعتقد الكثير من الفرنسيين أنه السبيل كي تستعيد فرنسا دورها الريادي على صعيد القارة، ثم تستعيد من خلال ذلك قوتها ونفوذها على الصعيد العالمي.
ذلك أن وجود أوروبا قوية متماسكة قد يوفر لفرنسا فرصة أن تكون قطبا مهما في إطار العولمة السائدة. هذا لاسيما وأنها خاضت في السنوات الأخيرة معركة حقيقية من أجل سيادة عالم «متعدد الأقطاب» وليس «أحادي القطب» كما تريده إدارة جورج دبليو بوش، على اعتبار أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة.
لم تجد أوروبا سوى أهمية متواضعة في برنامج المرشح الأكثر أوروبية بين المرشحين الكبار ،أي فرانسوا بايرو ممثل تيار الوسط. وجان ماري لوبن، مرشح اليمين المتطرف يرفض أوروبا جملة وتفصيلا. أما المرشحان الأكثر بروزا في استطلاعات الرأي، أي نيكولا سركوزي وسيغولين روايال، فلم يول الأول لأوروبا سوى النذر البسيط بالقياس إلى تركيزه على «الهوية الوطنية» الفرنسية. امّا الثانية فقد حثّت مواطنيها على ان يرفعوا العلم الفرنسي المثلّث الألوان الأزرق والأبيض والأحمر. دون أي ذكر للعلم الأوروبي ذي ال27 نجمة.
حديث المرشحين الرئيسيين في حملتهم الانتخابية حول أوروبا تركز على كيفية الخروج من «المأزق» الذي وجدت فرنسا نفسها فيه بعد رفضها عبر استفتاء شعبي يوم 29 مايو 2005 لمشروع الدستور الأوروبي. فالمرشح ساركوزي يرى المخرج عبر تبني «دستور مختزل» بعد موافقة البرلمان عليه. والسيدة روايال تجده عبر التفاوض على دستور جديد وعرضه من جديد على الشعب في مدة أقصاها شهر يونيو 2009، أي موعد الانتخابات الأوروبية المقبلة، أما فرانسوا بايرو فقد اقترح أيضا دستورا جديدا تتم صياغته عبر مؤتمر حكومي للدول الأعضاء ال27 في الاتحاد الأوروبي.
بالمقابل لم تتم مناقشة طبيعة النظام الاجتماعي في أوروبا الموحدة وكيفية الوصول إلى سياسة خارجية موحّدة وإلى مفهوم مشترك للدفاع الأوروبي وقبل كل شيء مصلحة المواطن الفرنسي في تعزيز البناء الأوروبي. وهذه أمور أساسية لا تقل أهميتها، إن لم تكن تتجاوز، عن مجرد إجراء «تقني» لكيفية الخروج من «مأزق» دستوري، رغم أهمية دلالاته.
في المحصلة العامة يمكن القول أن السياسة الخارجية لفرنسا في السنوات المقبلة لم تنل الاهتمام الذي تستحقه في الحملة الانتخابية للمرشحين «الكبار». وما هو أكيد أن عددا كبيرا من الفرنسيين أحسّوا بهذا «الفراغ» للإستراتيجية الواضحة على المدى الطويل.
وما هو أكيد أيضا أن بلدانا كثيرة في العالم تتمنى أن تحافظ فرنسا على «نهج مستقل» في سياستها الخارجية، بل وأن تكون «الواجهة» التي تعبر من خلالها عن مواقفها. مثل هذا الدور «الريادي» ليس غريبا تاريخيا عن البلاد التي تفتخر أنها صاحبة الثورة الكبرى عام 1789 وعصر الأنوار.
لكن الماضي «يمضي»، والواقع الراهن يفرض دائما فرسانه ومرشحوه. ومن الواضح أن الناخبين الفرنسيين اليوم لا يجدون بين المرشحين للرئاسة «فارسهم» بسهولة، إذ على أبواب الاقتراع لا تزال نسبة كبيرة منهم يترددون في الاختيار. ومثل هذا الوضع من «اللاقرار» يترك الباب مفتوحا للـ «مفاجآت». الفرنسيون بصدد اختيار «قبطان» يقود سفينة «فرنسا» خلال السنوات الخمس المقبلة، ولكن تبقى مشكلة «بوصلة» التوجّه. صحيح أن السياسة هي «فن الممكن» ولكن يبقى للأشخاص دورهم وكلمتهم ومواقفهم. القادة الكبار يعرفون كيف يقولون «لا» ولو كان ذلك ضد التيار السائد.
كاتب سوري ـ باريس