عرس الديمقراطية في فرنسا حامي الوطيس منذ عام ولكنه يدخل اليوم مرحلة الحملات الرئاسية وعمليات جلب الأصوات وإغراء المواطنين بالوعود والبرامج. وقد برز منذ بداية السباق الرئاسي مرشحان اثنان هما اللذان حصلا على مبايعة حزبيهما الكبيرين لهما كمرشحين رسميين باسميهما وهما نيكولا ساركوزي عن حزب اليمين الحاكم وسيغولين روايال عن الحزب الاشتراكي المعارض.

كاد السباق أن يقتصر عليهما بفضل أهمية الحزبين الأبرز وبفضل استقطاب هذين المرشحين لوسائل الإعلام، إلا أن دخول لاعبين آخرين على الخط جعل المنافسة تأخذ منعرجا جديدا، فقد حصلت ما يشبه المعجزة لمرشح حزب الوسط وزير التربية السابق فرانسوا بايرو الذي عرف بدهاء منقطع النظير كيف ينتقل من وضع المرشح الثانوي بنسبة 9% من نوايا الاقتراع في شهر فبراير الماضي إلى مرشح رئيسي بنسبة 24% من النوايا في شهر مارس الحالي ، وذلك خلال شهر واحد.

ولا يتردد المراقبون اليوم عن الحديث عن ظاهرة سياسية وسوسيولوجية لافتة من وراء هذا المنعرج الخطير الذي حشر فيه بايرو الحملة الرئاسية بحيث استطاع أن يجرها لملعب ثلاثي الأضلاع، بعد أن انحصرت المباراة بين اثنين. ويفسر المحللون هذه الظاهرة بكثرة أعداد الفرنسيين غير المقتنعين بالثنائية الحزبية الطاغية على الحياة السياسية الفرنسية منذ نصف قرن. ففرنسا تداول على الحكم فيها منذ 1958 أي منذ الجنرال ديجول والجمهورية الخامسة حزبان لا ثالث لهما هما اليمين الجمهوري واليسار الاشتراكي، حتى لو جاء إلى سدة الرئاسة وسطي مثل الرئيس جيسكار دستان عام 1974 فقد وجد نفسه مضطرا إلى التحالف مع اليمين والحكم بائتلاف حكومي معه.

إلا أن ظاهرة بايرواليوم تعتبر فريدة من نوعها لأن الرجل يرفض اليمين واليسار معا وبنفس الحدة بل ويتهم وسائل الاتصال والإعلام الكبرى بالعمل على تكريس التوأمين يمين- يسار بالرغم عن أنوف الفرنسيين وقد ألقى خطبا عديدة للتنديد بانحياز قوى المال والأعمال لفرض الثنائي ساركوزي وسيغولين على الرأي العام كحتمية لا بد منها، مطالبا وسائل الإعلام بالحياد.

مع العلم بأن وسائل الإعلام الرئيسية في فرنسا أصبحت منذ سنوات قليلة بأيدي أصحاب رؤوس الأموال وكبار الصناعيين أمثال صانع الطائرات سارج داسوو المقاول العملاق بويج ورجل الأعمال أرنولاغاردير، وهؤلاء وحدهم يملكون 75% من الصحف اليومية الوطنية والقنوات الفضائية ذات التأثير، وبالتالي أصبحوا هم صناع الرأي العام وقادة الرأي الشعبي والموجه الحقيقي والخفي لأصوات الناخبين حتى لو اعتقد الناخبون بأنهم أحرار في اختيارهم.

وهنا مربط الفرس في الصعود المدوخ والمفاجئ لفرانسوا بايرو الذي أعطى الانطباع للجمهور العادي بأنه المزارع العادي القادم من اقليم (بيريني أتلنتيك) الفقير وهو أقرب للمواطن الفرنسي المتوسط لأنه يملك مزرعة فيها خيول ويعيش في الريف الفرنسي نفس حياة الأغلبية الشعبية، وهو لم ينس في حملته الانتخابية كما نسي ساركوزي وكما نسيت سيغولين روايال بأن فرنسا بلاد زراعية.

الظاهرة الثانية اللافتة والطارئة على الحياة السياسية الفرنسية هي بالطبع بلوغ امرأة هذه الدرجة العالية في السباق الرئاسي، وهو أمر يحدث لأول مرة، لأن النساء بالفعل كثيرات في المباريات الرئاسية منذ 1974 وفي رئاسيات 2007 كذلك لكن الجديد هو وصول المرشحة الاشتراكية سيغولين روايال إلى التصفيات النهائية إذا استعملنا لغة الرياضيين، فهي امرأة عصرية تعيش قضايا مجتمعها،

واختارت عدم الزواج القانوني والإداري مع رفيق حياتها السكرتير الأول للحزب الاشتراكي فرانسوا هولند، أي أنهما زوجان بدون زواج، وهو اختيار حر في فرنسا يمكن تشبيهه بالزواج العرفي في الشريعة الإسلامية، لأنه في الغرب يحمل قانون الأحوال الشخصية معناه الحقيقي أي أن هذه الأحوال تظل شخصية ولا تتحول إلى تدخل مستمر للسلطات العامة، مع العلم أن الأمير حاكم إمارة موناكو متزوج على العرف الجاري بسيدتين ولهما منه ولد وبنت.

الأمر مع روايال يمر عاديا في فرنسا باسم الحرية الشخصية المقدسة هنا بعكس المجتمع الأميركي الذي يتأثر بالحالة المدنية لزعمائه وزعيماته. ولكن حظوظ المرشحة بدأت تتضاءل منذ راكمت الهفوات المتنوعة على الملأ، فاحتفظ لها جزء من الرأي العام بصورة المتلعثمة المترددة في حين يطالب المواطن الناخب قادته بالثقة في النفس والتمكن من الملفات، فروايال لا تعرف مثلا كم تملك فرنسا من غواصات نووية ولا تعرف مصدر كلمة شجاعة حيث أخطأت فوق سور الصين العظيم من الناحية اللغوية ثم إنها على الصعيد الدبلوماسي لم تدرك في إسرائيل بأن من حق ايران أن تمتلك النووي المدني لأن طهران موقعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

أما ساركوزي فهو يزايد على كل منافسيه بموالاة مواقف المحافظين الجدد في واشنطن ودعم السياسة الإسرائيلية، وهو ما جلب له لوم وتقريع الرئيس شيراك الذي يصر على استقلال القرار الفرنسي في الأزمات الشرق أوسطية، وتراجع ساركوزي عن هذا الشطط الجالب لأصوات العنصريين اليمينيين.

الموعد الأول للانتخابات هو 22 أبريل للدورة الأولى يليه موعد 7 مايو للدورة الثانية والحاسمة، والى اليوم فان لا شيء محسوم وتظل كل الاحتمالات واردة وممكنة وهي روح الديمقراطية، وسبق أن سئل ونستون تشرشل عن الفرق بين الانتخابات النزيهة والانتخابات المزيفة فقال: الفرق بسيط جدا ففي الانتخابات النزيهة لا نعرف مسبقا من الفائز!

كاتب تونسي

alqadidi@hotmail.com